محمد خالد الزعبي يكتب: عمر العبداللات.. هل يسقط النشيد في فخ الأغنية؟
نبأ الأردن -
منذ أكثر من ثلاثة عقود، لم يكن عمر العبداللات مجرد حنجرة عابرة، بل كان النقش الغائر في حجر البتراء ثباتاً وهيبةً وحضوراً لقد صاغ وجداننا في قوالب من اللحن حتى بات صوته هو "الوطن المسكوب في ألحان، لكن مع صدور أغنيته الأخيرة "وعلامِكِي وشلونِكِي"، اندلع اشتباك فكري وجماهيري يضعنا أمام تساؤل فلسفي عميق: هل يملك الطير الذي اعتاد التحليق في القمم حق الهبوط ليلامس تراب الأرض البسيط؟
فلسفياً، يقع العبداللات اليوم في منطقة الصراع بين "المقدس" المتمثل في الأغنية الوطنية التي رسمت ملامح هويتنا، و"الدنيوي" المتمثل في الأغنية الشعبية بلهجتها الدارجة.
النقاد الذين هاجموا الأغنية، لم يحاكموا اللحن، بل هاجموا "انكسار الصورة الذهنية"، فرأوا في الفنان المنارة التي لا يصح لها أن تخفت لتجرب ضوء الشموع.
لقد اعتبروا بساطة المفردات "تسطيحاً"، وكأنهم يرفضون أن يخلع الامبراطور تاجه ليمشي بين العامة بقميصٍ وبنطال،
أما المدافعون، فيرون الأمر من زاوية فلسفية مغايرة، هي زاوية "أصالة الجذور"، فالأغنية لديهم هي التميمة التي تحمي اللهجة الكركية من الاندثار في مقبرة العولمة، إنهم يرون العبداللات كالبستاني الذي يترك رعاية الأشجار الباسقة لبرهة، ليتفقد الزهور الصغيرة النابتة عند أقدامها؛ فإحياء المحكية الأردنية في وجه التغريب الثقافي هو نوع من "المقاومة بالكلمة".
إن المعضلة الحقيقية تكمن في "سجن الرمزية"؛ فنحن كجمهور، غالباً ما نحكم على المبدع بالبقاء سجين إطاره الأول، متناسين أن الفنان كـ النهر الجاري، قيمته تكمن في تجدده، لا في ركوده بمصبٍ واحد مهما كان عذباً.
العبداللات اليوم يختبر قدرتنا على قبول "التعددية داخل الوحدة"؛ فهل يمكن للرجل الذي غنى للجيش والتاج أن يغني للعتاب بلهجة أهل الأرض دون أن يفقد بريقه؟
في الختام، إن الجدل حول "وعلامِكِي وشلونِكِي" هو الغربال الذي يفصل بين عاطفتنا تجاه الأيقونة وبين حق الفنان في التجريب.
المسيرة الفنية الكبرى هي المحيط الذي لا تلوثه قطرة ماء، ولا تغير ملوحته موجة عابرة، ويبقى السؤال قائماً: هل نسمح لرموزنا بأن يتنفسوا خارج الإطارات التي رسمناها لهم، أم أن ضريبة الرمزية هي البقاء خلف قضبان التوقعات إلى الأبد؟

























