د.عبدالله محمد القضاه يكتب: مشروع العطارات: قصة السيادة الطاقية للأردن ورهان الصخر الزيتي الاستراتيجي
نبأ الأردن -
في قلب الصحراء الأردنية، حيث تتراقص الرمال على إيقاع آمال الاستقلال الطاقي، لا يمثل مشروع "العطارات" مجرد محطة لتوليد الكهرباء، بل يقف شامخاً كأحد أبرز الملفات الاستراتيجية وأكثرها إثارة للجدل والاهتمام في تاريخ المملكة الحديث. إنه المشروع الذي وضع الأردن أمام معادلة وجودية: كيف نوازن بين كلفة الإنتاج الباهظة وبين "أمن وطني" لا يقدر بثمن، وبين التحرر من قيود التبعية الطاقية؟
كسر قيود التبعية: من مستهلك إل صانع قرار
لعقود طويلة، ظل الاقتصاد الأردني يرزح تحت وطأة تقلبات أسواق الطاقة العالمية والاضطرابات الإقليمية التي لم تتردد في قطع إمدادات الغاز والنفط الحيوية مراراً وتكراراً. هذا الواقع الجيوسياسي القاسي دفع بالمملكة نحو البحث عن بدائل استراتيجية، فكان مشروع العطارات لاستغلال الصخر الزيتي هو الاستجابة الحاسمة.
بقدرة إنتاجية تلامس 470 ميجاواط، يساهم هذا المشروع الحيوي اليوم بنحو 15% من احتياجات المملكة من الكهرباء. لكن القيمة الحقيقية للعطارات تتجاوز مجرد أرقام "الميجاواط"؛ إنها تكمن في تحويل مورد محلي مهمل إلى ركيزة أساسية لأمن الطاقة الوطني. فبينما تعتمد الطاقة المستوردة على مصادر خارجية متذبذبة وتتأثر بشكل كبير بالتقلبات السياسية والاقتصادية العالمية، يقدم الصخر الزيتي في العطارات مصدراً محلياً مستداماً، يمنح القرار الوطني هامشاً أوسع من المناورة بعيداً عن ضغوط الاستيراد واستنزاف العملة الصعبة.
الميزة التنافسية: "كنز النفط" الكامن في أرضنا
تتجلى الميزة التنافسية الكبرى لمشروع العطارات في اعتماده الكلي على "خام محلي" وافر. فالأردن، الذي يمتلك رابع أكبر احتياطي للصخر الزيتي في العالم، وجد في تقنيات الحرق المباشر لهذا المورد وسيلة مبتكرة لكسر التبعية للخارج. فبينما تتسم الطاقة المستوردة بتأثرها المرتفع جداً بالسياسة وتتسبب في استنزاف العملة الصعبة، يوفر مشروع العطارات استثماراً محلياً ضخماً يسهم في خلق فرص عمل ويضمن مساهمة ثابتة وموثوقة في الشبكة الكهربائية الوطنية، بعيداً عن تقلبات المصادر الخارجية.
الإقتصاد والأمن الوطني: تحصين الدولة في وجه التحديات
لا يمكن قراءة مشروع العطارات بمعزل عن مفهوم "الأمن الوطني" الشامل. فامتلاك مصدر طاقة محلي يعني تحصين الدولة ضد أي "ابتزاز سياسي" محتمل أو انقطاع مفاجئ في الإمدادات الدولية، مما يعزز استقلالية القرار الوطني. اقتصادياً، ضخ المشروع استثمارات تجاوزت 2.1 مليار دولار، ليصبح بذلك أكبر استثمار خاص في تاريخ المملكة. هذا الاستثمار لم يقتصر على توفير الطاقة فحسب، بل ساهم أيضاً في نقل تكنولوجيا متقدمة وخلق مئات فرص العمل للأردنيين، خاصة في مناطق البادية التي تحتضن المشروع.
ورغم التحديات القانونية والمالية المعقدة التي رافقت المشروع، وصولاً إلى أروقة التحكيم الدولي، إلا أن مسيرة العطارات أثبتت قدرة الدولة الأردنية على خوض غمار المشاريع الكبرى والمعقدة. إن قبول "الكلفة المرتفعة" أحياناً يكون ثمناً ضرورياً لشراء "الأمان الاستراتيجي" وتحقيق الاكتفاء الذاتي في قطاع حيوي كقطاع الطاقة.
رؤية للمستقبل: العطارات كدرس إستراتيجي
مشروع العطارات ليس نهاية المطاف في مسيرة الأردن نحو الاستقلال الطاقي، بل هو درس استراتيجي في "إدارة الأزمات" وتحويل التحديات إلى فرص. وبينما يتجه العالم بخطى حثيثة نحو مصادر الطاقة المتجددة، يبقى الصخر الزيتي ومشروع العطارات بمثابة "صمام أمان" يضمن استقرار النظام الكهربائي في أحلك الظروف وأكثرها تقلباً.
إن نجاح الأردن في تشغيل هذا المشروع العملاق يبعث برسالة مزدوجة قوية: الأولى للعالم أجمع بأن المملكة بيئة جاذبة للاستثمارات الضخمة ومركز للابتكار في مجال الطاقة، والثانية للداخل بأن السيادة الحقيقية تبدأ من امتلاك مفاتيح الطاقة وتحقيق الاكتفاء الذاتي. فالمشاريع الكبرى لا تُقاس بميزان الربح والخسارة اليومي فحسب، بل بقدرتها على حماية مستقبل الأجيال القادمة وتأمين استقرار الوطن وازدهاره.
* أمين عام وزارة تطوير القطاع العام سابقا


























