د. عبدالله محمد القضاه يكتب: الناقل الوطني: قرار سيادي يعيد تعريف الأمن الوطني الأردني

د. عبدالله محمد القضاه يكتب: الناقل الوطني: قرار سيادي يعيد تعريف الأمن الوطني الأردني
نبأ الأردن -
في تاريخ الدول التي تواجه تحديات وجودية في مواردها، لا تُعد المشاريع الكبرى مجرد خيارات تنموية عابرة، بل هي لحظات حاسمة في إعادة تعريف "الدولة" لذاتها. وفي الأردن، الذي يُصنف ضمن أفقر دول العالم مائياً، يأتي مشروع "الناقل الوطني" ليسد فجوة تاريخية، وليؤسس لمرحلة جديدة عنوانها العريض: الانتقال من إدارة الندرة إلى ترسيخ السيادة المائية.
ثورة في مفاهيم القوة: الماء كأداة للتحرر الاستراتيجي
ليس من قبيل المبالغة القول إن هذا المشروع هو الأهم سيادياً في تاريخ المملكة منذ عقود. فالمسألة لم تعد تتعلق بتأمين مياه الشرب فحسب، بل بإعادة صياغة العلاقة بين الدولة ومواردها الحيوية، وبين القرار الوطني وضغوط الجغرافيا السياسية. عندما تنتج الدولة قرابة 300 مليون متر مكعب سنوياً من مصدر مستقل تماماً، فهي لا تضيف رقماً إلى موازنتها المائية فحسب، بل تعيد كتابة "معادلة القوة" في بيئة إقليمية طالما كانت فيها المياه أداة نفوذ بامتياز.
إن الناقل الوطني، بهذا المعنى، هو مشروع تحرر استراتيجي؛ تحرر من الارتهان لمصادر مشتركة أو متقلبة أرهقت المواطن والاقتصاد معاً، ومن معادلة كانت تجعل الأمن المائي ملفاً مفتوحاً على احتمالات الضغط الخارجي. إنه انتقال نوعي من "إدارة الأزمة" إلى "امتلاك الحل".
تحصين الجبهة الداخلية: الماء نبض الاستقرار الاجتماعي
إذا كان الأمن الوطني يُقاس بقدرة الدولة على حماية استقرارها الداخلي، فإن هذا المشروع يضرب في عمق هذا المفهوم. فالمياه في الأردن ليست خدمة، بل هي عامل استقرار؛ فانتظام التزويد، ورفع حصة الفرد، وتقليص الفجوة بين المحافظات، وتخفيف الاحتقان الاجتماعي المرتبط بالانقطاعات؛ كلها عناصر تعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة. ومن دون هذه الثقة، لا يمكن لأي مشروع إصلاحي أو اقتصادي أن يصمد طويلاً.
لكن الأثر الأعمق يتجاوز الداخل؛ ففي منطقة تعيش على وقع أزمات متداخلة - مياه، طاقة، نزاعات، لجوء- يشكل امتلاك مصدر مائي مستقل، قائم على التحلية والطاقة المتجددة من البحر الأحمر، تحصيناً هادئاً للجبهة الداخلية، وبناءً لقدرة صمود طويلة الأمد في وجه أي اضطراب إقليمي محتمل.
رسالة اقتصادية للعالم: الأردن وجهة الاستثمارات الكبرى
اقتصادياً، يبعث المشروع برسالة لا تقل أهمية: الأردن دولة قادرة على إدارة مشاريع معقدة، وجذب تمويل دولي واسع، وبناء شراكات متقدمة بين القطاعين العام والخاص. إن نموذج (BOT) المعتمد ليس تفصيلاً تقنياً، بل هو انعكاس لثقة عميقة بالبيئة الاستثمارية، وبقدرة النظام المؤسسي على موازنة الكلفة مع المصلحة الوطنية. والأهم، أنه يفتح الباب أمام اقتصاد مائي-طاقي جديد، يعزز تنافسية الصناعة والزراعة، ويؤسس لقطاعات إنتاجية أكثر استدامة.
ما وراء الأرقام: الاستثمار في الكرامة الوطنية
رغم الكلفة العالية، فإن النظر إلى المشروع بمنطق المحاسبة المالية الضيقة يُفقده معناه الحقيقي. فهناك مشاريع لا تُقاس بعوائدها المباشرة، بل بقدرتها على حماية الدولة من كلف أكبر بكثير: كلفة العطش، كلفة الاضطراب الاجتماعي، وكلفة الارتهان السياسي. من هذا المنظور، يصبح الناقل الوطني استثماراً في الاستقرار، وفي الكرامة الوطنية، وفي المستقبل.
وفي الختام ؛ لقد اعتاد الأردن عبر تاريخه أن يحول التحديات إلى فرص، لكن ما يميز هذا المشروع أنه لا يكتفي بإدارة التحدي، بل يعيد صياغته بالكامل. إنه مشروع يعكس إرادة سياسية واضحة، ورؤية استراتيجية ناضجة، وقدرة تنفيذية تراكمت عبر عقود من الخبرة.
في لحظة إقليمية مضطربة، يختار الأردن أن يجيب على أحد أصعب أسئلته الوجودية بأداة عملية لا بشعارات: كيف نحمي حقنا في الماء؟ وجاء الجواب بحجم الدولة... وبحجم المستقبل.
* أمين عام سابق
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions