وائل منسي يكتب: هندسة الإرباك الاستراتيجي: قراءة علمية في أسلوب دونالد ترامب بين التفاوض وعلم النفس
نبأ الأردن -
في تحليل أنماط السلوك السياسي المعاصر، يبرز نموذج دونالد ترامب بوصفه حالة تطبيقية لظاهرة مدروسة في تقاطعات علم التفاوض وعلم النفس الاجتماعي، حيث تتحول التصريحات المتناقضة والمتكررة من مجرد اضطراب ظاهري في الخطاب إلى أداة استراتيجية واعية تُعرف اصطلاحاً بـ"الإرباك الاستراتيجي" (Strategic Confusion أو Weaponized Confusion). يقوم هذا النهج على إنتاج حالة مقصودة من الغموض وعدم اليقين (Ambiguity & Unpredictability)، عبر تبديل المواقف أو طرح مقترحات متعارضة، بما يعيد تشكيل بيئة التفاوض ويضع الخصم في موقع رد الفعل بدلاً من المبادرة.
تفسير هذا السلوك في إطار علم التفاوض يكشف أنه يعتمد على مبدأ ضغط نفسي مركّب، حيث يؤدي عدم القدرة على التنبؤ بسلوك الطرف الآخر إلى تقويض الإحساس بالسيطرة، وهو ما يدفع الخصم إلى تقديم تنازلات استباقية لتقليل المخاطر.
وتتقاطع هذه الآلية مع مفهوم "عدم الاتساق العاطفي" (Emotional Inconsistency) أو "اللايقينية السلوكية" (Behavioral Unpredictability)، التي أظهرت دراسات تجريبية أنها تزيد من احتمالية الامتثال (Compliance) لدى الطرف المقابل. كما يتجسد هذا النمط في ما يُعرف بـ"نظرية الرجل المجنون" (Madman Theory)، وهي استراتيجية تقوم على بناء صورة متعمدة عن الفاعل بوصفه غير قابل للتنبؤ أو حتى غير عقلاني، بما يرفع كلفة التصعيد لدى الخصم ويحفزه على التراجع أو التنازل لتفادي سيناريوهات غير محسوبة.
من زاوية علم النفس الاجتماعي، يمكن فهم هذا السلوك عبر آليات أعمق ترتبط بإدراك الواقع وصناعة المعنى.
فالتعرض المتكرر لرسائل متناقضة يولّد ما يُعرف بـالتنافر المعرفي، وهي حالة من التوتر الذهني الناتج عن تعارض المعلومات مع القناعات أو التوقعات، ما يدفع الفرد إلى البحث عن تفسير أو مرجعية تقلل هذا التوتر. وفي بعض السياقات، يتقاطع هذا النمط مع مفهوم "الغاسلايتينغ" (Gaslighting)، أي التلاعب المتعمد بإدراك الآخر للواقع عبر التناقض المستمر، بما يضعف ثقته بحكمه الذاتي ويزيد من اعتماده على الطرف المُربِك كمصدر للحقيقة. كما يمكن ربطه جزئياً بمفهوم "التفكير المزدوج" (Doublethink)، الذي صاغه جورج أورويل، ويصف القدرة على استيعاب فكرتين متعارضتين دون إدراك التناقض، وهو توصيف يُستخدم تحليلياً لفهم كيف يُستقبل هذا النوع من الخطاب أو يُعاد إنتاجه.
تكمن فاعلية هذا الأسلوب في استناده إلى خاصية إنسانية أساسية هي النفور من اللايقين (Uncertainty Aversion)، حيث يميل الأفراد والمؤسسات إلى تقليل الغموض حتى لو كان ذلك عبر تقديم تنازلات غير مثالية.
وفي السياقات السياسية والدبلوماسية، يسمح هذا النهج بممارسة ضغط غير مباشر دون الإفصاح عن النوايا الحقيقية، ما يمنح الفاعل مرونة تكتيكية عالية.
غير أن هذه الفاعلية تظل محدودة زمنياً، إذ يؤدي الإفراط في استخدام التناقض إلى تآكل المصداقية (Credibility Erosion)، وتقويض الثقة (Trust Deficit)، وتحفيز الأطراف الأخرى على تبني استراتيجيات دفاعية أو حتى الانسحاب من التفاعل، ما يفضي إلى فشل تفاوضي محتمل.
بناءً على ذلك، يمكن توصيف أسلوب دونالد ترامب ليس كفوضى خطابية، بل كـ"هندسة إدراكية استراتيجية" (Strategic Cognitive Engineering) توظف التناقض والغموض كأدوات تأثير وضغط.
إلا أن هذه الهندسة رغم فعاليتها التكتيكية في المدى القصير، تحمل مخاطر بنيوية على المدى الطويل، حيث تضعف الأسس التي يقوم عليها أي تفاعل مستدام، وفي مقدمتها الثقة والاستقرار والقدرة على بناء التزامات متبادلة.
#DonaldTrump
https://www.facebook.com/share/p/1DpdmWZvjU/


























