د.منذر الحوارات يكتب: حرب السرديات
نبأ الأردن -
يصرّ كل طرف في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، على إعلان النصر وامتلاك اليد العليا، في وقت لم تُحسم فيه النتائج بعد؛ إذ لم تستطع واشنطن ترجمة تفوقها العسكري إلى نصر سياسي، ولا طهران أعلنت استسلامها، وهذا يؤكد أننا لسنا أمام حرب تُحسم في الميدان فقط، بل أمام صراع يمتد إلى السرديات ورواية الحرب ذاتها، ويظهر ذلك بوضوح في تصريح دونالد ترامب بأن «إيران وافقت على كل شيء»، وما تلاه من نفي إيراني سريع، أعقبه إعادة إغلاق مضيق هرمز، بعد أقل من 24 ساعة من إعادة فتحه، في محاولة لتكذيب الرواية الأميركية وتأكيد رواية مضادة.
بالتالي، أصبحت حرب السرديات هي العنوان الأكثر بروزًا مع توقف إطلاق النار ولو مؤقتًا، فالولايات المتحدة ترى أنها فرضت ميزان القوة عبر تدمير جزء كبير من البنية العسكرية الإيرانية وفرضت تفوقًا جويًا واسعًا، وهي اليوم تحاصر الموانئ الإيرانية، وقبل ذلك استهدفت منظومة القيادة والسيطرة، في المقابل، ترى إيران أنها لم تُهزم؛ إذ أعادت تشكيل قيادتها بسرعة، ولم تتخلَّ عن اليورانيوم المخصب أو برنامجها النووي والصاروخي، بل أضافت ورقة مضيق هرمز، التي رفعت كلفة الحرب على الاقتصاد العالمي، هاتان السرديتان أي إعلان النصر من الطرفين، لا تعكسان انتصارًا مزدوجًا، بل تؤكد أن الكفة لا تزال حائرة.
هذا الواقع يكشف أننا أمام حرب عنوانها الأبرز: من يحتمل الألم أكثر، فلم يعد الانتصار لمن يضرب أكثر، بل لمن يصمد أكثر، فإيران تفرض ضغطًا كبيرًا عبر إغلاق مضيق هرمز، وهذا يولّد أزمة طاقة وتضخمًا ونزفًا اقتصاديًا يطال الجميع، ويضغط على الولايات المتحدة، وفي المقابل، تحاصر واشنطن الموانئ الإيرانية وتخنق الاقتصاد، رافعةً كلفة المعيشة داخل إيران، إلى جانب التهديد بالعودة إلى الضربات الجوية واستهداف البنية المدنية، وهكذا، يسعى كل طرف إلى دفع الآخر نحو أقصى درجات الإنهاك، فيما تتحمل المجتمعات، لا الجيوش، القسط الأكبر من هذا الألم.
لكن كيف تُدار هذه المرحلة؟ بالنسبة لترامب، تقوم المقاربة على صناعة واقع تفاوضي بالقوة، ثم تسويقه إعلاميًا كنصر مكتمل كما في قوله إن «إيران وافقت على كل شيء» قبل الانتقال إلى مزيد من الضغط لفرض شروطه، إنه يخلط بين التفاوض والإكراه، ويحوّل التصريحات إلى أداة ضغط وإرباك، ومحاولة زرع بذور الشك داخل القيادة الإيرانية بالتوازي مع التهديد العسكري، في المقابل، تتعامل إيران بمرونة تكتيكية: تنفي وتكذّب، دون أن تقطع مسار التفاوض، وتحافظ على موقف يمنع تثبيت صورة الاستسلام التي يسعى ترامب لترسيخها.
وبينما «يفاوض» ترامب بالتصريحات قبل الطاولة، وتحاول طهران تعطيل تثبيت رواية الهزيمة، يبرز دور عاصم منير، الذي يقود جهدًا صامتًا لتفادي الانفجار، ليس فقط للوصول إلى اتفاق، بل لتكريس باكستان كفاعل في إدارة واحدة من أخطر أزمات المنطقة، ما يُقال في العلن شيء، وما يجري خلف الكواليس شيء آخر، وهو ما يجعل المشهد أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للقراءة المباشرة.
يحاول منير أيضًا تصحيح تقدير أميركي جوهري: واشنطن راهنت على نموذج «فنزويلا» ضربة للقيادة يعقبها انهيار سريع، لكنها وجدت نفسها أمام نموذج أقرب إلى «كوريا الشمالية» في الصمود وتحمل الكلفة، وإذا نجح هذا التصحيح في إعادة الأطراف إلى واقعية الحسابات، فقد نشهد انفراجًا يقود إلى تفاهم وفتح هرمز واستقرار نسبي، أما إذا فشل، فالسيناريو الأقرب هو التصعيد وتوسّع الصراع بما يحمله من اختناق اقتصادي وتدمير أوسع، ويبقى السيناريو الأخطر، من زاوية أميركية، هو ازدياد صلابة إيران، بما يضعف قدرة الردع الأميركية، مع تداعيات تتجاوز الإقليم.
في النهاية، نحن أمام حرب متعددة الأبعاد والسيناريوهات: قد تثبت أن القوة وحدها غير قادرة على الحسم، فتُعاد صياغة مفهوم القوة الأميركية ذاته، أو تفرض نتائج سياسية واضحة، أو تنتهي إلى تفاهمات تحفظ ماء وجه الجميع دون منتصر كامل أو مهزوم كامل، لكن في جميع الأحوال، لن تعود المنطقة إلى ما كانت عليه؛ فالتغيير عميق، وثمنه إنساني قبل أن يكون سياسيًا، ولن يكون قابلًا للتراجع بسهولة.

























