عبدالله بني عيسى يكتب : ملف "الهويات"
نبأ الأردن -
لا يحتمل ملف "الهويات” أي انزلاق نحو مواقف حادة في بلد كالأردن، الذي حمت توازنه – إلى جانب مؤسساته الراسخة والتي رغم كل عللها تبقى في نظري جديرة بالثقة وهي الضمانة الأولى للبقاء – تلك "الشعرة” الدقيقة التي حالت في كثير من المنعطفات دون الانزلاق إلى المجهول. وأي تضخيم لشطحات عابرة، أو اجتهاد فردي، أو حتى تصرف شاذ، كفيل بتحويله إلى كرة ثلج تتدحرج سريعاً نحو أزمة أكبر من أصلها.
ولا يُقصد بهذا الطرح التخفيف من أخطاء قائمة، أو التغطية على آراء ومواقف وسلوكيات تستهين بالبلاد وهيبتها أو تثير الفتن وتوسع الشروخ. فالمقاربة العقلانية التي ننحاز إليها تقوم على المصارحة والمكاشفة، لكن ضمن أدوات ومسارات وتوقيتات مدروسة، وبنوايا إصلاحية لا انفعالية.
لقد برز خلال الفترة الماضية ما يمكن وصفه بـ”القلق الهوياتي”، وهو قلق حقيقي لا يمكن إنكاره أو القفز فوقه. والحديث في هذه الحساسيات ومع أنه غير محمود، لا يعني بالضرورة وجود أطراف تتعمد إثارة الفتن بقدر ما يكشف عن خلل قائم ينبغي التعامل معه بجدية. غير أن هذا التعامل يجب أن يتم بأسلوب رشيد، وبالأدوات المناسبة، وفي التوقيت الذي يضمن المعالجة لا التعقيد، والتفكيك لا التفجير.
من هنا، تبدو الحاجة ملحّة للحفاظ على الحد الأدنى من التوافق العلني حول عنوان الوحدة الوطنية، بوصفه مظلة جامعة في الإعلام والمؤسسات والفضاءات العامة، دون الانزلاق إلى تفاصيل خلافية في مرحلة شديدة الحساسية. كما تبرز ضرورة التهدئة، وتجنّب الاصطياد في الماء العكر، وعدم الانجرار إلى حملات التنمر أو التخوين، التي قد تُضخّم الخطأ الفردي وتحوّله إلى أزمة وطنية مفتوحة على احتمالات التشظي.
ولعل ما يمكن التوافق عليه مرحلياً، هو تثبيت أولوية الأردن الآمن المستقر، الذي لا يُستدرج إلى صراعات إقليمية ودولية لا تعنيه، وتركيز الجهد على معركته الأولى: بناء اقتصاد واضح المعالم، قابل للحياة والنمو. وذلك إلى حين اتضاح مآلات ملفات إقليمية كبرى، تمسّ بطبيعتها الواقع الداخلي الأردني، وهو قدر جغرافي وسياسي لا يمكن الفكاك منه، لكن يمكن إدارته بحكمة، لا بردود فعل متسرعة.

























