عاهد حسين الصفدي يكتب:حين تكلم الضمير المنفي

عاهد حسين الصفدي يكتب:حين تكلم الضمير المنفي
نبأ الأردن -
تزاحمت الأفكار في رأسي كالشظايا الحادّة، تمزّق إحساسي وتثقل صدري، وأنا أخرج من المنزل بلا وجهة، مثقلًا بخيبةٍ لم تعد عابرة بل ترسّخت في أعماقي، بعد أن خلّف ما يدور حولي صدعًا غائرًا زعزع ثقتي وسلبني احترامي لكثيرٍ من الوجوه، ولصورٍ كنتُ أؤمن بها يومًا، فسرتُ طويلًا بلا وعيٍ حقيقي لوجهتي، والدموع على حافة الانهمار تفضح ما أدفنه، حتى انتهيتُ إلى مكانٍ موحش يبتلعه ظلامٌ كثيف، كأنه خارج حدود هذا العالم، بينما يستعر الحزن في صدري كجمرٍ لا ينطفئ.
توقفتُ، ونظرتُ حولي، محاولًا استعادة وعيي، لكنني أدركتُ أن ضياعي لم يكن في المكان، بل في داخلي. كان الصمت يخيّم على كل شيء؛ صمتٌ ثقيل يبعث رهبةً خفية، وليلٌ بلا ملامح، كأن الزمن قد توقّف عند حدّه، وفجأة، شقّ ذلك السكون أنينٌ خافت ترددتُ لحظة، ثم اندفعتُ نحو مصدر الصوت، مدفوعًا بشعورٍ غامض.
هناك، رأيتُ جسدًا منكمشًا على نفسه، كأنه يحتمي من ألمٍ يفوق الاحتمال. اقتربتُ، فإذا بدموعٍ تنساب على وجهٍ يحمل براءةً موجعة.
سألته: من أنت؟ وما الذي جاء بك إلى هنا؟
رفع رأسه ببطء، ونظر إليّ بعينين أثقلهما الحزن، وقال: ومن تكون أنت؟ ولماذا تظن أنك قادرٌ على فهم حكايتي؟
أخبرته عمّا في داخلي؛ عن ذلك الثقل الذي يسكن صدري، وعن الأسئلة التي لا تهدأ
صَمَتَ قليلًا، ثم قال:
أنا ما تبقّى من صوتٍ كان يسكن الإنسان, كنت أعيش في عقول الناس، وأتربّع على عروش قلوب الطيبين .
كنتُ أزورهم في هدوء الليل، حين يواجهون أنفسهم، فأرافقهم في لحظات الصدق، وأسألهم عمّا فعلوا، وعمّا قصّروا فيه، وعمّا كان يمكن أن يكونوا عليه ولم يكونوا .
كنتُ ميزانًا خفيًا يحفظ إنسانيتهم، وقيمةً تمنح أفعالهم معناها. لكن كل شيء تغيّر.
جاءت في هيئةٍ فاتنة، أغرتهم واستدرجتهم، فسلبت عقولهم وقلوبهم. تخلّوا عني من أجلها، وتركوا مكاني خاليًا لها. 
لم يعد الشعار يُهمَس به، بل يُعاش كل يوم: "أنا ومن بعدي الطوفان”. بسببها، طُردتُ من العقول، وأُقصيتُ عن القلوب.أصبحتُ شريدًا، أتنقّل في الظلال، بلا مأوى، بلا مكان.وهذا الأنين الذي سمعته… ليس إلا صدى وجودي المنسي. وكان اسم تلك الفاتنةُ هو المصلحة
منذ ذلك الحين، صاروا يلهثون خلفها، يبرّرون بها كل شيء، ويُسكتون بها ذلك الصوت الذي كنتُ أمثّله. من العقول، وأُقصيتُ عن القلوب.
إن كنت تبحث عني، فأنا لم أمت
لا أزال أجد طريقي إلى من يفتح لي قلبه
فإن كان في داخلك متّسع، فخذني إليك
وإن اخترت "المصلحة”، فامضِ إليها؛ فهي اليوم الحاكمة. سكت، وتلاشى صوته في العتمة
بقيتُ وحدي، تتردّد كلماته في داخلي، وأشعر بثقل القرار لأول مرة. نظرتُ حولي، وكان الظلام كما هو
في تلك اللحظة، كان الجواب، نعم، ما زال في قلبي متّسعٌ له لأن الإنسان النقي لم يمت أيضا .

Email;ahedpsut@gmail com
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions