د. خالد عبدالله العوامله يكتب: الأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية… نموذج إصلاحي قيد التطوير
نبأ الأردن -
تُعد الأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية إحدى أبرز المبادرات الإصلاحية الحديثة في الأردن، وقد جاءت استجابة مباشرة لحاجة ملحّة لتحديث القطاع العام ورفع كفاءة الجهاز الحكومي. إقرار نظامها رسميًا عام 2026 كخلف قانوني لمعهد الإدارة العامة لم يكن مجرد تغيير شكلي، بل خطوة تعكس تحولًا مؤسسيًا نحو نموذج أكثر مرونة واحترافية في بناء القدرات.
في عالم يتغير بسرعة، لم يعد الإصلاح الإداري ترفًا. الدول التي لا تطور أدواتها الإدارية تتراجع ببساطة، حتى لو امتلكت خططًا جيدة. من هنا يمكن فهم فكرة الأكاديمية: محاولة لإعادة تشكيل طريقة التفكير داخل المؤسسات الحكومية، بحيث يصبح الأداء قائمًا على الكفاءة والنتائج، لا على الإجراءات فقط. وهي مهمة ليست بسيطة، خصوصًا عندما نتحدث عن جهاز حكومي يضم ما يقارب 200 ألف موظف، وهو ما يوضح حجم التحدي البنيوي الذي تسعى الأكاديمية للتعامل معه.
لكن السؤال الأهم يظل حاضرًا: هل يكفي التدريب وحده؟
التجربة الأردنية، بصراحة، لا تعاني من نقص في البرامج أو المبادرات. المشكلة كانت دائمًا في ما يحدث بعد ذلك. هل تتحول المعرفة إلى ممارسة؟ هل تتغير طريقة العمل؟ أم تبقى الأمور كما هي؟
الأكاديمية وحدها لا تنتج إصلاحًا إذا بقيت خارج منظومة الحوافز، والمساءلة، وإدارة الأداء. التجارب المقارنة تُظهر أن أثر التدريب يتضاعف فقط عندما يُدمج داخل نظام مؤسسي يربط الترقية والكفاءة بالنتائج، ويعيد تشكيل آليات اتخاذ القرار داخل الجهاز الحكومي.
في الأدبيات الحديثة للإدارة العامة، الإصلاح الناجح عادة يكون حزمة متكاملة (Policy Mix) تشمل:
الأداء (Performance Management)
البنية التنظيمية (Structure)
الموارد البشرية (HR System)
التحول الرقمي (Digital Government)
المساءلة (Accountability)
عند النظر إلى تجارب مثل حكومة الإمارات العربية المتحدة، نرى أن التدريب ليس نشاطًا منفصلًا، بل جزء من منظومة متكاملة ترتبط مباشرة بالترقية والمساءلة وقياس الأداء و مرونة وظيفية عالية.
وفي رؤية السعودية 2030، جاء تطوير القدرات ضمن حزمة أوسع شملت إعادة هيكلة جذرية وسريعة للجهاز الحكومي.
سنغافورة
بدأت بإصلاح الخدمة المدنية منذ الستينات
التدريب كان جزءًا متزامنًا مع بناء جهاز الدولة الحديث، وليس مرحلة لاحقة فقط
ربط صارم بين الأداء والترقيات كان أساسي منذ البداية
إستونيا
الرقمنة سبقت كثيرًا إعادة تشكيل التدريب التقليدي
"E-Government” غير شكل المهارات المطلوبة أصلًا، وليس فقط جاء بعد الإصلاح
في الأردن، الصورة ما زالت في طور التشكّل. الأكاديمية تمثل خطوة مهمة، لكنها ليست نهاية الطريق. التحدي الحقيقي يبدأ بعد انتهاء البرامج التدريبية، عندما يعود الموظف إلى مكتبه: هل يستطيع أن يطبق ما تعلمه؟ وهل تسمح له البيئة الإدارية بذلك أصلًا؟
ماذا تريد الأكاديمية أن تحقق؟
الأهداف واضحة في جوهرها، حتى لو اختلفت طريقة التعبير عنها:
إعداد قيادات حكومية قادرة على اتخاذ القرار، لا مجرد إدارة الروتين
تطوير الكفايات الإدارية والفنية والسلوكية للموظفين
تعزيز ثقافة الابتكار وصنع القرار المبني على المعرفة
تحسين جودة الخدمات الحكومية، وهو المعيار الحقيقي لأي إصلاح
كيف تعمل الأكاديمية؟
تعتمد الأكاديمية على نموذج تشاركي يجمع بين الحكومة الأردنية والجامعات والقطاع الخاص، في محاولة لربط التدريب بالواقع العملي. كما تتبنى أساليب حديثة مثل التعلم الرقمي والتعلم المدمج والتدريب التطبيقي، بهدف ضمان أن المعرفة المكتسبة قابلة للتنفيذ.
وهناك توجه لإنشاء مراكز متخصصة في إعداد القيادات، والسياسات العامة، واستشراف المستقبل—وهي أدوات مهمة إذا تم توظيفها بشكل صحيح، لأنها تربط التدريب بصناعة القرار، لا بعزله عنه.
ومع ذلك، تبقى المشكلة أعمق من البرامج. القضية في جوهرها تتعلق بثقافة العمل. إذا لم يكن هناك ربط واضح بين الكفاءة والمساءلة، وبين الأداء والنتائج، فإن أي تدريب—مهما كان متقدمًا—سيبقى تأثيره محدودًا.
في النهاية، يمكن القول بوضوح:
الأردن لا يعاني من نقص في الأفكار، بل من صعوبة في تحويل هذه الأفكار إلى واقع. وإذا استطاعت الأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية أن تردم هذه الفجوة، عندها فقط يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي—لا مجرد محاولة جديدة بلغة مختلفة.

























