د. عبدالله محمد القضاه يكتب: من "الجبهة" إلى "الأمة": رؤية استراتيجية لمستقبل واعد

د. عبدالله محمد القضاه يكتب: من الجبهة إلى الأمة: رؤية استراتيجية لمستقبل واعد
نبأ الأردن -
في المشهد السياسي المتغير باستمرار، تبرز لحظات تاريخية فارقة لا تُقاس بمدى جرأة القرار فحسب، بل بعمق الآفاق التي يفتحها للمستقبل. إن قرار تغيير اسم حزب جبهة العمل الإسلامي إلى "حزب الأمة" يمثل إحدى هذه اللحظات المحورية؛ لحظة لا يمكن قراءتها كإعادة تموضع عابرة، بل كفرصة استراتيجية لإعادة تعريف الدور، وتوسيع المدى، وتجديد الرسالة.
إن اختيار مسمى "الأمة" ليس مجرد تغيير لفظي، بل هو عنوان يحمل في طياته دلالات عميقة، وسقفاً طموحاً، وتحدياً يستدعي رؤية قيادية ثاقبة. فمن يتبنى هذا الاسم، يضع نفسه أمام اختبار حقيقي: هل يستطيع أن يرتقي ليكون ممثلاً لكل الأردنيين، أم سيبقى رهين تاريخه التنظيمي؟ إن الإجابة على هذا التساؤل لا تكمن في الاسم بحد ذاته، بل في الشجاعة السياسية والإرادة الصلبة التي ستتلو هذا التحول.
من الاصطفاف إلى الاحتواء: تحول في العقل السياسي
يحمل مصطلح "الجبهة" دلالة الاصطفاف، بينما يرمز مفهوم "الأمة" إلى الاحتواء والشمولية. إن المسافة بين هذين المفهومين ليست لغوية فحسب، بل هي مسافة سياسية واجتماعية عميقة. فالانتقال الناجح من الأول إلى الثاني لا يتحقق بقرار تنظيمي مجرد، بل يتطلب تحولاً جذرياً في العقل السياسي للحزب: من حزب يخاطب قاعدته الضيقة، إلى حزب يخاطب المجتمع الأردني بأسره؛ من خطاب تعبوي موجه، إلى خطاب وطني جامع؛ ومن هوية قد تبدو مغلقة، إلى هوية منفتحة قادرة على التفاعل الإيجابي والبناء مع الدولة والمجتمع.
وهنا تكمن الفرصة الحقيقية التي يجب اغتنامها. فالأردن اليوم في أمس الحاجة إلى أحزاب لا تكتفي بإعادة إنتاج نفسها، بل تسهم في إعادة إنتاج المشهد السياسي برمته: أحزاب تفهم تطلعات المواطنين، وتلامس همومهم اليومية، وتقدم لهم حلولاً عملية تتجاوز الشعارات الرنانة. وإذا ما أراد "حزب الأمة" أن يكون على قدر هذا الاسم العظيم، فعليه أن يثبت أنه حزب لكل الأردنيين، وليس مجرد امتداد لمدرسة سياسية معينة.
الوطنية أولاً: ركيزة لا تقبل المساومة
إن الامتحان الأكبر الذي يواجه الحزب في مرحلته الجديدة هو قدرته على ترسيخ العلاقة بين مفهوم "الأمة" والخصوصية المتفردة للدولة الوطنية الأردنية. فالوطنية هنا ليست خياراً تكتيكياً يمكن التنازل عنه، بل هي شرط وجودي لا غنى عنه. يجب على الحزب أن يعلن بوضوح لا لبس فيه أنه حزب للدولة الأردنية، يعمل ضمن إطارها الدستوري، ومن داخل مشروعها الوطني الشامل. لا يمكن أن يكون الحزب فوق الدولة، أو على هامشها، أو في حالة موازية لها.
وفي الوقت ذاته، فإن الحفاظ على البعد العربي والإسلامي الأصيل يجب ألا يُفهم كبديل عن الوطنية، بل كامتداد حضاري لها؛ رافعة قيمية تعزز الاعتدال، وتدعم الاستقرار، وتفتح آفاق التعاون الإقليمي والدولي. إن المعادلة ليست مستحيلة، بل تتطلب وضوحاً استراتيجياً:
وطنية راسخة… بعمق عربي… ومرجعية إسلامية منفتحة.
الشباب: شركاء المستقبل لا مجرد أرقام
أي حديث عن "الأمة" دون إشراك فاعل للشباب يبقى حديثاً منقوصاً. فالشباب الأردني اليوم لا يبحث عن الانتماء الرمزي، بل عن الفرصة الحقيقية: فرصة للعمل المنتج، للمشاركة الفاعلة، للتأثير الإيجابي، وللصعود نحو مستقبل أفضل. إذا أراد الحزب أن يجذب هذه الفئة الحيوية، فعليه أن يتحول إلى حزب برنامج عملي: برنامج اقتصادي جريء: يعالج قضايا البطالة بفاعلية، رؤية تعليمية متطورة: تواكب متطلبات سوق العمل المستقبلي، و سياسات اجتماعية عادلة: تعيد الثقة في منظومة العدالة، ولا تكتفي بإدارة الأزمات بالشعارات.
إن الشباب لا ينتظرون دعوات للانخراط ؛فحسب؛ بل يبحثون عن أسباب مقنعة لذلك. وهذا السبب لا يصنعه الاسم وحده، بل تصنعه السياسات الواضحة، والفرص المتاحة، والمساحة الحقيقية للمشاركة. الأمر الذي يدعوا لمزيد من العمل الميداني.
إن الرهان على نجاح هذه الخطوة ليس رهاناً عاطفياً، بل هو رهان على القدرة الحقيقية على التحول والتكيف. ومن منطلق الحرص على أن تنجح هذه التجربة الرائدة، يمكن تقديم مجموعة من التوصيات الاستراتيجية التي من شأنها أن تجعل من "حزب الأمة" نموذجاً حزبياً مختلفاً ورائداً:
1.إعادة صياغة الخطاب السياسي: ليصبح خطاب دولة بامتياز، لا خطاب تيار أو فئة؛ خطاب يجمع ولا يفرق، ويخاطب الأردنيين بلغة مصالحهم اليومية وتطلعاتهم المستقبلية.
2.إطلاق برنامج اقتصادي وطني شامل: يضع قضايا التشغيل، وجذب الاستثمار، وتحقيق العدالة الضريبية والحماية الإجتماعية، وتطوير الخدمات العامة في صدارة الأولويات، ويقدم حلولاً قابلة للقياس والتنفيذ على أرض الواقع.
3.تبني إستراتيجية إستقطاب فاعلة؛ تعتمد عل المبادرة في إستهداف الكفاءات وأصحاب الراي والفكر في كافة المجالات.
4.فتح البنية التنظيمية للحزب: أمام الشباب والنساء والكفاءات المهنية من مختلف التخصصات، ليس كديكور تمثيلي، بل كشركاء حقيقيين وفاعلين في صناعة القرار ورسم السياسات.
5.تعزيز الحضور الميداني الفاعل: في جميع المحافظات والمدن والقرى، بحيث يصبح الحزب قريباً من الناس في تفاصيل حياتهم، ومتفاعلاً مع قضاياهم، لا مجرد حاضر في الخطاب المركزي.
6.بناء تحالفات وطنية مرنة وواسعة: تعكس روح "الأمة" كإطار جامع لكل القوى الوطنية، لا كحدود فاصلة بينها، بما يعزز الوحدة الوطنية ويدعم الاستقرار.
بين الاسم والتاريخ: صناعة المستقبل
كل حزب يحمل تاريخه، لكن القليل فقط هو من يمتلك الشجاعة والرؤية لإعادة كتابة مستقبله. إن تغيير الاسم هو لحظة فاصلة بين الماضي والمستقبل: إما أن يكون بداية جديدة لمسيرة حافلة بالإنجازات، أو أن يبقى مجرد عنوان جديد لقصة قديمة. إن "حزب الأمة" اليوم أمام فرصة نادرة: أن يتحول من حزب يُعرّف نفسه بهويته الأيديولوجية، إلى حزب يُعرّف نفسه بدوره الفاعل والمؤثر في بناء الدولة والمجتمع.
وإذا نجح الحزب في تحقيق هذا التحول الاستراتيجي، ولدي قناعة بهذا النجاح؛ فلن يكون قد غيّر اسمه فحسب، بل سيكون قد غيّر موقعه ودوره في المعادلة السياسية الأردنية برمتها. أما إذا بقي التغيير حبيس اللغة والشكل، فسيكتشف سريعاً أن الأسماء الكبيرة… تحتاج إلى أفعال أكبر، وأن في السياسة، لا يُقاس النجاح بما نُعلنه، بل بما نُقنع به الناس ونحققه لهم على أرض الواقع.
* كاتب سياسي غير حزبي.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions