عبدالله بني عيسى يكتب:"الأمة" ..هل غيّر الاسم شيئًا؟
نبأ الأردن -
خضع حزب جبهة العمل الإسلامي لمقتضيات القانون، فاختار اسماً جديداً؛ حزب الأمة”. ظاهرياً، يبدو الأمر امتثالاً لقانون الأحزاب السياسية الذي تُشرف على تطبيقه الهيئة المستقلة للانتخاب بحظر أن يتضمن اسم الحزب أي دلالة دينية أو طائفية أو عرقية، لكن عند التدقيق، يتبدّى أن ما جرى هو تغيير في الشكل لا الجوهر.
بالنسبة لكل المنادين بترسيخ مفهوم الدولة المدنية الديمقراطية بهوية وطنية واضحة، فإن هذا التغيير لا يُحدث فارقاً حقيقياً في التوازن السياسي بين الأحزاب الوطنية واليسارية والقومية. بل على العكس، قد يكون منح الحزب مساحة أوسع للمناورة والتوسع.
فاسم "جبهة العمل الإسلامي” كان مباشراً في دلالته، وقد يُفهم بوصفه احتكاراً لتمثيل الدين في المجال العام. أما اسم "حزب الأمة”، فهو أكثر اتساعاً ومرونة، ويستدعي في الوعي الجمعي مفاهيم عابرة للحدود، ترتبط بـ”الأمة الإسلامية” أكثر مما ترتبط بالدولة الوطنية الحديثة. هنا، تكمن المفارقة:
التغيير الذي كان يُفترض أن يخفف من الطابع الديني للاسم، أعاد إنتاجه بصيغة أوسع وأكثر جاذبية.
فـ”الأمة” في السياق السياسي العربي ليست مصطلحاً محايداً؛ هي محمّلة بإرث فكري وديني عميق، يتجاوز مفهوم الأمة الأردنية كما يحدده الدستور، وينأى عن الإطار المؤسسي الذي يجسده "مجلس الأمة” بشقيه النواب والأعيان. وعليه، فإن الانتقال من "الإسلامي” إلى "الأمة” لم يُخرج الحزب من عباءة المرجعية الدينية، بل ربما عزّزها ضمنياً.
الأهم من ذلك، أن هذا التحول قدّم للحزب ثلاث فرص سياسية مجانية:
1. سردية المظلومية: إذ يمكن تسويق تغيير الاسم على أنه استهداف سياسي للتوجه الإسلامي، لا مجرد التزام قانوني، وقد نجح في ذلك فعلياً مستثمراً خبراته في هذا المجال.
2. إعادة التموضع الجاذب: عبر اسم أكثر مرونة وقدرة على استقطاب شرائح أوسع من المتدينين، دون الظهور بمظهر "الحزب العقائدي المغلق”.
3. تدشين نشاط انتخابي مبكر استعداداً للعام 2028 باستثمار حدث بدا للمجتمع وكأنه استحقاق قانوني فيما أراده الحزب تمرينيا حيّاً للنشاط الذي تتطلبه المرحلة المقبلة.
في ضوء ذلك، يدخل الحزب – باسمه الجديد – إلى استحقاق انتخابات 2028 وهو يحمل رصيداً إضافياً، تعززه سياقات إقليمية معقدة. فالحرب على غزة، وما رافقها من تحولات في المزاج الشعبي، أعادت الاعتبار لخطاب "المقاومة” بوصفه تعبيراً عن رفض الظلم، في ظل شعور واسع بغياب مشروع عربي رسمي قادر على الفعل والتأثير.
كما أن التصعيد الإقليمي، سواء في غزة أو في سياقات المواجهة مع إيران، يُترجم شعبياً – لدى قطاعات واسعة – ضمن ثنائية "الاستكبار والمقاومة”، وهي ثنائية تتغذى عليها التيارات ذات المرجعية الدينية دون جهد يُذكر. يكفي رفع الشعار، لتأتي القاعدة جاهزة.
في موازاة استثمار لأخطاء واقرارات وإجراءات تندرج في إطار سوء التقدير تتعلق بمصالح المواطنين ومعيشتهم مثل تعديلات قانون الضمان الاجتماعي الذي أجاد نواب حزب الجبهة استثماره للتوغل شعبياً بشكل أفضل بكثير من نواب الأحزاب الأخرى.
في المقابل، تبدو الأحزاب الأخرى – بمختلف أطيافها – أمام أزمة حقيقية. فقد أظهرت نتائج الانتخابات الأخيرة عجزاً واضحاً عن تقديم نفسها كبديل مقنع، قادر على مخاطبة هموم الناس اليومية: الاقتصاد، البطالة، الخدمات، والعدالة الاجتماعية.
ووفقًا لمسار التدرج في التمكين السياسي، فإن المرحلة المقبلة يفترض أن تشهد توسعاً في حضور القوائم الحزبية والوطنية داخل مجلس النواب، بما يمهّد لتشكيل حكومات برلمانية حزبية. لكن السؤال الجوهري يبقى:
أي أحزاب ستملأ هذا الفراغ؟
إذا استمرت الأحزاب الوطنية في ضعفها الحالي، فإن الساحة ستُترك تلقائيًا للأحزاب الأكثر تنظيماً وقدرة على التعبئة، وفي مقدمتها التيارات ذات الخلفية الدينية – مهما تغيّرت أسماؤها.
في المحصلة، ما جرى ليس مجرد تغيير اسم، بل إعادة ترتيب في أدوات الاشتغال السياسي.
أما المعركة الحقيقية، فهي لم تبدأ بعد.


























