د. وليد العريض يكتب: هدنة اللصوص : حين يتقاسم القتلة شرف الصمت!
نبأ الأردن -
في الغابة التي لا يُستجاب فيها الدعاء، لا تنتهي الحروب فعليًا بل تُبدّل أسماءها وتُغيّر وجوهها، فحين يتعب القاتل من القتل لا يختار السلام بل يوقّع هدنة تمنحه فرصة لإعادة ترتيب أدواته ولهذا لم تكن "هدنة لبنان” سوى استراحة محسوبة بين جولة وأخرى.
هذه الهدنة لا تشبه السلام ولا حتى الخوف، بل تبدو كأنها صفقة غير معلنة بين طرف يريد أن يُعيد ترتيب قنابله وطرف يُطلب منه أن يضبط نفسه بينما ما يزال تحت النار وكأن المطلوب من الضحية أن تتعلّم كيف تموت بهدوء.
دخلت الولايات المتحدة إلى المشهد لا كوسيط محايد بل ككاتب نصّ ومخرج عرض، فوزّعت الأدوار بدقة باردة حيث تبقى إسرائيل في مواقعها ويُطلب من لبنان أن يُحسن إدارة ضعفه، بينما يُدفع حزب الله ليُعاد تعريفه من مقاومة إلى عبء داخلي.
أما العبارة الأكثر سخرية في هذا الاتفاق فهي تلك التي تمنح إسرائيل "حق الدفاع عن النفس" ، إذ يتحوّل المعتدي إلى صاحب حق قانوني مفتوح ويُمنح القاتل فرصة الاستمرار في القتل متى شاء، بينما يُطلب من الضحية أن تلتزم قواعد السلوك.
إسرائيل في هذه اللحظة لم تربح حربًا كاملة بل ربحت ما هو أهم، فقد ربحت الزمن الذي تحتاجه لإعادة التموضع وربحت شرعية مؤقتة لبقائها داخل أرض ليست لها وربحت قدرة على تحويل الاحتلال إلى إجراء أمني مؤقت.
أما لبنان فلم يربح إلا هدنة هشة تسمح له بالتقاط أنفاسه، هدنة تمنحه وقتًا لعدّ خسائره وإعادة لملمة جراحه، لكنها لا تمنحه سيادة حقيقية ولا تضمن له أمنًا مستقرًا، بل تضعه أمام استحقاقات أصعب مما كان عليه قبلها.
وفي قلب هذا المشهد يقف حزب الله أمام معادلة قاسية، حيث يُطلب منه أن يختار بين تسليم سلاحه أو تسليم دوره وهو يدرك أن السلاح في هذه المنطقة ليس خيارًا سياسيًا بل نتيجة طبيعية لتوازن مختل وخوف دائم واحتلال مستمر.
لكن الصورة الحقيقية لا تكتمل داخل حدود لبنان فقط، فالمشهد الأوسع تحكمه مواجهة غير مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث تدير الأولى اللعبة عبر الاتفاقات والضغوط، بينما تراهن الثانية على الزمن الطويل والصبر الاستراتيجي.
قد يبدو للوهلة الأولى أن أمريكا تنتصر لأنها تكتب الاتفاقات وتفرض الشروط، لكنها في واقع هذه المنطقة لا تملك وحدها تعريف النصر، فالتاريخ هنا لا يُقاس بسرعة الحسم بل بقدرة الأطراف على البقاء رغم كل شيء.
ولهذا يُستدعى مثال كوبا لا بوصفه تطابقًا بل كدلالة، إذ إن الصمود الطويل قد يكون أحيانًا شكلًا من أشكال الانتصار وإيران تدرك هذه القاعدة جيدًا وتبني استراتيجيتها عليها.
أما هذه الهدنة فهي، كما كل هدن هذه المنطقة، ورقة مؤقتة كُتبت فوق برميل بارود، ستصمد إلى حين وقوع أول خطأ أو أول صاروخ أو أول تقدير خاطئ، ثم ستنهار لتعود الحقيقة إلى الواجهة من جديد.
وفي النهاية، لا ينبغي الانخداع بكلمات وقف إطلاق النار، فالحروب هنا لا تنتهي بتوقيع بل تُؤجَّل فقط وتبقى الأرض نفسها شاهدة على أن الصمت فيها ليس سلامًا، بل مجرد فاصل قصير بين حربين.
























