د. وليد العريض يكتب : بلاغةُ الادّعاء… حين تتكاثر الأقنعة
نبأ الأردن -
في زمنٍ تتكاثر فيه الأقنعة أكثر من الوجوه، لم يعد الخطر في الجهل وحده، بل في الجهل حين يتزيّن بثقةٍ لا سند لها ويتقدّم ليتحدث باسم المعرفة وهو لم يلامسها، فتُعاد صياغة المعاني الكبرى بلغةٍ هزيلة، ويُقدَّم الفراغ في هيئة موقفٍ فكري وكأن الضجيج يمكن أن يُقنع وكأن الادعاء يمكن أن يحلّ محلّ البرهان.
أما أولى هذه الظواهر، فهي التزلّف الذي يُغلف نفسه بلباس الرأي، حيث يتحول الجهل إلى أداة تقرّب لا إلى نقصٍ يُعالج، فيُقال ما يُرضي لا ما يُصحّح ويُصاغ الخطاب على مقاس السلطة لا على مقاس الحقيقة، في مشهدٍ يفقد فيه القول قيمته، ويصبح الصمت أحيانًا أكثر احترامًا من كلامٍ لا يحمل إلا ظلال التبعية.
وتأتي بعدها فوضى الخطاب، حيث تُستبدل اللغة الرصينة بعباراتٍ جارحةٍ تفتقر إلى الحد الأدنى من الذوق، فينحدر النقاش من مستوى الفكرة إلى مستوى الانفعال وتغيب الحجة لتحضر الإشارة ويُستبدل الإقناع بالتجريح، في إشارةٍ واضحة إلى أن من لا يملك قوة الفكرة، يلجأ إلى ضعف العبارة.
ثم تطلّ العنصرية بوجهها القديم المتجدد، لا بوصفها موقفًا صريحًا يمكن مواجهته، بل كإيحاءاتٍ مبطنة تتسلل إلى الخطاب، فتُقسّم الناس على أسسٍ ضيقة وتُعيد إنتاج منطق التفوق الزائف، في تناقضٍ صارخ مع أبسط مبادئ العقل والعدل وكأن التاريخ لم يعلّم أصحابه أن كل خطابٍ إقصائي، ينتهي بصاحبه معزولًا ولو بعد حين.
غير أن أخطر ما في المشهد كله، هو ذلك الإصرار على إصدار الأحكام بلا معرفة، حيث يتقمّص الجاهل دور العالم ويمنح نفسه سلطة الفتوى في كل شأن، فيُطلق الآراء وكأنها حقائق ويُدين المختلف وكأنه امتلك ميزان الصواب المطلق، في تزييفٍ مزدوج للعلم وللواقع، لا يقوم على فهمٍ ولا يستند إلى دليل.
ويُضاف إلى ذلك خطاب التخوين، الذي يُستخدم كسلاحٍ جاهز لإسكات كل رأيٍ مختلف، فيُختصر النقاش في اتهام، وتُختزل الحقيقة في اصطفاف وكأن الانتماء يُقاس بالصوت لا بالموقف وكأن الاختلاف جريمة لا ضرورة من ضرورات التفكير، في بيئةٍ لا تسمح للعقل أن يعمل إلا ضمن حدودٍ مرسومة سلفًا.
وهنا لا يعود الحديث عن حالاتٍ فردية، بل عن ظاهرةٍ تتكاثر وتتمدد، ظاهرةٍ تجعل من الادعاء بديلاً عن المعرفة ومن الانفعال بديلاً عن الفهم وتُعيد تشكيل الوعي العام على أسسٍ هشّة، تُضعف القدرة على التمييز بين ما يُقال لأنه صحيح، وما يُقال لأنه مرغوب.
لكن ما يغيب عن هؤلاء جميعًا، أن الزمن لا يُجامل طويلًا وأن الحقيقة مهما أُحيطت بالضجيج تجد طريقها وأن العلم لا يُهزم بالإنكار، بل يزداد وضوحًا كلما حاول الجهل أن يُطفئه وأن الأثر وحده هو ما يبقى، أما كل ما عداه… فصدىً يتلاشى.


























