د. وليد العريض يكتب: خرائط الدم… حين يُعاد تشكيل العالم بالنار من غزة إلى طهران: هل أصبح التدمير استراتيجية؟

د. وليد العريض يكتب: خرائط الدم… حين يُعاد تشكيل العالم بالنار من غزة إلى طهران: هل أصبح التدمير استراتيجية؟
نبأ الأردن -
في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه المصالح، لم يعد ما يجري في منطقتنا يُقرأ بوصفه سلسلة من الأزمات المتفرقة أو الحروب التقليدية التي تنتهي بانتصار طرف وخسارة آخر، بل بات أقرب إلى مشروع متكامل لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية عبر القوة، حيث تبدو إسرائيل في قلب هذا المشهد ليس فقط كدولة منخرطة في صراع، بل كفاعل يشتغل ضمن منطق يرى في الفوضى أداة، وفي الدمار وسيلة لإعادة ترتيب موازين القوى بما يتجاوز حدود الإقليم.
وإذا كان هذا المنطق قد تجلّى بوضوح في غزة، وامتدّ إلى لبنان، فإن ما يُطرح اليوم تجاه إيران يكشف عن مستوى أكثر خطورة، حيث لا يجري الحديث عن احتواء أو ردع بقدر ما يجري الترويج لتدمير شامل يطال الدولة والمجتمع والبنية الثقافية، في تجاهلٍ لكون إيران تمثل واحدة من أعرق الحضارات الإنسانية التي راكمت عبر آلاف السنين حضورًا عميقًا في التاريخ والثقافة.
إن اللغة التي تتحدث عن "إعادة دولة إلى العصر الحجري" لا يمكن التعامل معها بوصفها مجرد خطاب متشدد، بل تعكس عقلية استراتيجية تعيد تعريف الحرب بوصفها أداة لإعادة هندسة الواقع، حيث تصبح القسوة فعلًا محسوبًا، ويغدو التدمير وسيلةً لتحقيق غايات سياسية تتجاوز حدود الصراع المباشر، لتطال إعادة رسم ملامح العالم في منطقة تُعد من أكثر مناطق الأرض حساسية من حيث الموقع والموارد والتأثير.
وفي خضم هذا المشهد، تتكرّر المفارقة الأكثر إيلامًا حين يتحول الضحايا إلى أطراف يُعاد تحميلها نتائج الكارثة، بينما يُعاد إنتاج خطاب دولي يبرّر ما يحدث أو يلتفّ عليه، ليجد الإيراني والفلسطيني واللبناني أنفسهم في موقع من يدفع الثمن كاملًا، دون أن يكونوا شركاء حقيقيين في القرار أو في رسم مسارات هذه الصراعات.
وليس غريبًا أن تخرج من داخل الغرب نفسه أصوات نقدية تحذّر من هذا المسار، مثل صوت الكاتب حاييم بريشيت الذي يرى أن ما يجري لم يعد صراعًا محدودًا، بل جزء من مشروع أوسع يُعاد فيه تشكيل العالم عبر القوة، في ظل تراجع واضح للقيم الإنسانية أمام منطق الهيمنة.
وختامًا: إن أخطر ما في هذا المسار ليس حجم الدمار الذي يُنتجه فحسب، بل قدرته على إعادة تعريف ما هو مقبول في العلاقات الدولية، وحين يصبح التدمير الشامل خيارًا مطروحًا ومبررًا، فإن السؤال لم يعد من سينتصر في النهاية، بل ماذا سيتبقى من هذا العالم إذا استمر السير في هذا الاتجاه.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions