د. وليد العريض يكتب: جمهورية المهرّجين: حين يُدار العار بنصوصٍ دستورية
نبأ الأردن -
لم أكن أظنّ يومًا أنني سأعيش لأرى دولةً لا تحتاج إلى حدود ولا إلى جيش ولا حتى إلى شعبٍ واعٍ، بل تكتفي بشيءٍ واحدٍ فقط: شاشةٍ واسعة وضجيجٍ متواصل، وبعض الوجوه التي تتقن الابتسام في اللحظة الخطأ… ومع ذلك، تُدير العالم من حولها بثقةٍ تُحسد عليها.
هذه الدولة - التي لم تُعلن نفسها رسميًا - نجحت في أن تصبح النموذج الأكثر تطورًا في الحكم الحديث، فلا انتخابات تُزعجها ولا معارضة تُقلقها ولا حتى حقيقة تُربكها، لأنها ببساطة حسمت الأمر منذ البداية: لا مكان للحقيقة في جمهوريةٍ بُنيت على السخرية منها.
في هذه الجمهورية، لا يُقاس الإنسان بما يعرف، بل بما يستطيع أن يُضحك الآخرين على ما يجب أن يُبكيهم، ولا يُسأل: ماذا قرأت؟ بل: كم مرةً سخرت من فكرة الكرامة دون أن يرتجف صوتك؟ وكم مرةً صافحت يدًا تعرف – في قرارة نفسك – أنها ما زالت دافئةً بدمٍ لم يجفّ؟
ولأن أي دولةٍ محترمة تحتاج إلى دستور، فقد اجتهد أهل هذه الجمهورية – مشكورين – في وضع وثيقةٍ جامعةٍ تُنظّم هذا الانحدار وتمنحه طابعًا قانونيًا، حتى لا يبقى مجرّد فوضى، بل يصبح نظامًا يُدرّس ويُطبّق ويُصدَّر.
فكانت أولى مواد هذا الدستور أن الضجيج هو أساس الحكم وأن كل هدوءٍ يُعدّ خيانةً صامتة، لأن التفكير بطبيعته يحتاج إلى هدوء والهدوء يُنتج أسئلة والأسئلة - كما هو معلوم - أخطر من الحقيقة نفسها.
ثم جاءت المادة الثانية لتُحسم مسألة الكفاءة نهائيًا، إذ نصّت بوضوحٍ لا لبس فيه على أن المناصب تُمنح لمن أتقن الانحناء، لا لمن حمل الفكرة، فالفكرة - في عرفهم - كائنٌ مشاغب، بينما الانحناء مهارةٌ آمنة لا تُسبب إزعاجًا لأحد.
ولأن الصدق قد يُربك المشهد، فقد نصّت المادة الثالثة على أن الصدق يُجرَّم إذا أزعج والكذب يُكافأ إذا أضحك وهي مادة عبقرية، لأنها تُحوّل الكذب من رذيلة إلى خدمةٍ عامة.
أما المادة الرابعة، فقد ارتقت بالسخرية إلى مستوى الواجب الوطني، حين أكّدت أن السخرية من الكرامة ليست خيارًا، بل التزامٌ أخلاقيّ ومن يرفض يُتَّهم فورًا بالتطرّف أو بالتخلّف أو في أفضل الأحوال بعدم فهم روح العصر.
ولأن العلاقات الدولية تحتاج إلى مرونة، فقد جاءت المادة الخامسة لتُضفي شرعيةً كاملة على المصافحات المشبوهة، حيث نصّت على أن مصافحة أي يد - مهما تلوّثت - تُعدّ إنجازًا دبلوماسيًا، لا خيانة، فالمهم هو الصورة… لا ما خلفها.
وفي خطوةٍ احترازيةٍ ذكية، حذّرت المادة السادسة من خطورة العلم غير المُسيطر عليه، فأكّدت أن العلم خطرٌ إن لم يُطوَّع والمثقّف مشبوهٌ إن لم يُصفّق، لأن المعرفة - كما يبدو - قد تُفسد الانسجام العام.
ولكي لا يخرج أحد عن النص، جاءت المادة السابعة لتمنع التفكير الحرّ، إلا في حالةٍ واحدة فقط: أن يكون موجّهًا ضد الكرامة، فهنا يصبح التفكير مطلوبًا، بل ومكافأً عليه.
ثم جاءت المادة الثامنة لتُحلّ واحدةً من أعقد الإشكالات التاريخية، حين أعادت تعريف المفاهيم، فصار النصر يشمل الهزائم والهزيمة مجرد وجهة نظر وبذلك انتهت كل النزاعات… نظريًا على الأقل.
أما المادة التاسعة، فقد تعاملت مع التاريخ بواقعيةٍ شديدة، فنصّت على أن التاريخ لا يُكتب ليُفهم، بل ليُبرَّر وهو ما يفسّر كثيرًا من الكتب التي نقرأها… ولا نفهمها.
وأخيرًا جاءت المادة العاشرة لتحسم كل شيء، حين حظرت الشعور بالخجل، لأن الخجل هو أول الطريق إلى الوعي والوعي - بطبيعة الحال - تهديدٌ مباشر لاستقرار هذه الجمهورية.
وبهذا الدستور المتكامل تُدار "جمهورية المهرّجين" بكفاءةٍ عالية، تُحوّل الانحدار إلى إنجاز والفراغ إلى خطاب والسخرية إلى فلسفة حياة، غير أن المشكلة الوحيدة والتي يبدو أنهم لم ينتبهوا لها بعد هي أن كل هذا البناء، على تماسكه الظاهري، يقف على أرضٍ رخوة، لأن الحقيقة على عكس ما يظنّون، لا تموت حين يُضحك عليها، بل تؤجّل ظهورها فقط، حتى تأتي لحظةٌ لا ينفع فيها ضجيج ولا تُجدي فيها ابتسامة ولا ينقذ فيها دستور ويقف الجميع - دون استثناء - أمام سؤالٍ بسيطٍ جدًا… لكنه قاتل: كيف صدّقنا كل هذا؟


























