د. أحمد زياد أبو غنيمة يكتب:استدعاء الذاكرة الوطنية
نبأ الأردن -
قراءة تاريخية في مسيرة "صُنّاع القرار" من رجالات الدولة الأردنية
(توطئة: بين يدي سلسلة "استدعاء التاريخ السياسي والتوثيق الوطني"
أبدأ اليوم، بعون الله وتوفيقه، نشر سلسلة مقالات تحت عنوان "استدعاء التاريخ السياسي والتوثيق الوطني"، والتي أهدف من خلالها إلى تسليط الضوء على محطات فاصلة في تاريخ الدولة الأردنية ومسيرة رجالاتها.
يأتي هذا التوجه إيماناً مني بأن مساحة التوثيق التاريخي الرصين هي مساحة أبقى وأكثر نفعاً للأجيال، خاصة بعد أن آثرت الابتعاد عن الاشتباك مع الشأن العام والسجال السياسي اليومي.
في هذه السلسلة، لن نصدر أحكاماً مطلقة، ولن نغوص في نقد سياسي آني، بل سنسعى لقراءة مسيرة قامات وطنية ومحطات مفصلية بموضوعية وتجرد؛ لنتحاور مع تاريخنا، ونحمي ذاكرتنا الوطنية من النسيان، ونضع بين يدي الأجيال القادمة صفحات توثق تجارب "أصحاب القرار" الذين شكلوا ملامح دولتنا، سواء اتفقنا مع اجتهاداتهم أم اختلفنا).
****
إن العودة إلى صفحات التاريخ الأردني وتوثيق محطاته ليست ترفاً أكاديمياً، بل هي مسؤولية كبرى تتطلب منا حفظ "الذاكرة الوطنية" من النسيان، وتدوين تجارب رجالات الدولة المتعاقبين لتبقى مرجعاً للأجيال القادمة.
وفي مسيرة بناء الدولة الأردنية، تبرز أسماء قامات وطنية ورؤساء حكومات تركوا بصمات واضحة وعميقة في الإدارة والسياسة.
إن القراءة الموضوعية للتاريخ تقتضي الإقرار بأن مسيرة هؤلاء الرؤساء خضعت ولا تزال لتباين في التقييم والاجتهاد؛ فقد يتفق الكثيرون مع طريقة إدارتهم وأسلوب قراراتهم، وقد يختلف معهم آخرون جذرياً. لكن القاسم المشترك الذي يجمع هذه النماذج – والذي يستوجب التوثيق والاستدعاء – هو أنهم كانوا "أصحاب قرار" حقيقيين، مارسوا دورهم بصفتهم رجال دولة، وتحملوا مسؤولية خياراتهم أمام التاريخ والوطن:
****
* سليمان النابلسي (نموذج الإرادة السياسية والحكومة البرلمانية ١٩٥٦):
تُعد حكومة الحزب الوطني الاشتراكي محطة مفصلية في تاريخ العمل السياسي الأردني. النابلسي لم يكن رئيساً تقليدياً، بل مارس دوره كصاحب قرار يستند إلى قاعدة برلمانية واسعة. وبغض النظر عن التباينات السياسية في تلك المرحلة الدقيقة، إلا أن قراراته السيادية الكبرى، كإنهاء المعاهدة البريطانية، سجلت فصلاً يوثق كيف يمكن للحكومة أن تكون صاحبة الكلمة الفصل في شؤون الدولة.
****
* هزاع المجالي ووصفي التل (الحسم وتحمل المسؤولية في الأزمات):
في الذاكرة الوطنية، يقترن اسما هزاع ووصفي بالقدرة على اتخاذ القرارات الصعبة والمصيرية. هزاع المجالي، كصانع قرار يدرك مآلات الأمور، اتخذ موقفاً تاريخياً عام ١٩٥٥ إبان أزمة حلف بغداد؛ حيث انحاز للغة العقل، وآثر اتخاذ قرار شجاع بتقديم استقالة حكومته بعد خمسة أيام فقط من تكليفه، رافضاً خيار الصدام مع الشارع. أما وصفي التل، فقد تميز بشخصية إدارية وسياسية حازمة ومثيرة للجدل الإيجابي. اختلف البعض مع مقاربته لبعض الملفات، لكن أحداً لم يختلف على أنه كان "رجل دولة" يمسك بزمام المبادرة، ويدير مؤسسات الدولة بمركزية وقرار مستقل، مدافعاً عن رؤيته لكيان الدولة الأردنية ونهضتها.
****
* ثنائية "بدران والرفاعي" (أقطاب الإدارة والسياسة في عقدي السبعينيات والثمانينيات):
لا يمكن قراءة التاريخ السياسي الأردني في عقدي السبعينيات والثمانينيات دون التوقف عند "الثنائية" الشهيرة التي شكلها دولة مضر بدران ودولة زيد الرفاعي. لقد طبعت هذه الثنائية تلك المرحلة بصبغة خاصة، حيث تعاقبا على رئاسة الحكومات في ظروف إقليمية وداخلية بالغة التعقيد.
مضر بدران: عُرف بكونه رجل الإدارة القوي القادر على ضبط إيقاع الدولة الداخلي وبناء مؤسساتها التنموية والأمنية بحزم، وصولاً إلى قراره التاريخي بعد ترؤسه الحكومة عقب انتخابات عام ١٩٨٩ بإلغاء الأحكام العرفية وتهيئة البلاد للتحول الديمقراطي.
زيد الرفاعي: عُرف بحضوره السياسي والدبلوماسي الواسع وبمركزية إدارته، حيث كان صاحب قرار يمسك بملفات الدولة السياسية والاقتصادية بيدٍ خبيرة، مدافعاً عن هيبة الموقع وصلاحياته.
رغم اختلاف المدارس والأساليب بين الرجلين، إلا أنهما شكلا معاً قطبين لـ"رجال دولة" لم يسمحا بتغييب دور الدوار الرابع، وكانا يمارسان ولايتهما كأصحاب قرار يتحملون مسؤولية خياراتهم الإستراتيجية.
****
* الأمير (الشريف) زيد بن شاكر (مهندس العبور والنزاهة الانتخابية ١٩٨٩):
تتوقف الذاكرة الوطنية باحترام كبير عند محطة عام ١٩٨٩، حين كُلف الشريف زيد بن شاكر برئاسة الحكومة في لحظة انتقالية فارقة. يُسجل له كصاحب قرار تاريخي إدارته لانتخابات مجلس النواب الحادي عشر، التي تُجمع القوى السياسية والمؤرخون على وصفها بأنها "الأنزه" في تاريخ الأردن المعاصر، ممهداً الطريق لعودة الحياة الديمقراطية بضمانات العدالة والحياد التام.
****
* أحمد عبيدات (سيادة القانون والانضباط المؤسسي):
حين ترأس الحكومة عام ١٩٨٤، قاد أحمد عبيدات نهجاً صارماً في الإدارة ومحاربة الترهل. ورغم خلفيته الأمنية، إلا أنه كصانع قرار سياسي، ألزم نفسه ومؤسساته بمسار مؤسسي واضح يقوم على سيادة القانون وتفعيل النصوص الدستورية، متحملاً تبعات قراراته الإدارية الحاسمة التي اتسمت بالجرأة والانضباط.
****
* عبد الكريم الكباريتي (تحديث الإدارة والصدام مع التقليد):
في منتصف التسعينيات (١٩٩٦)، قاد الكباريتي نهجاً إدارياً جديداً في محاولة لتحديث آليات العمل الحكومي (الثورة البيضاء). أثبت في ممارسته أنه رئيس حكومة يحتفظ بحقه الكامل في اتخاذ القرار وتوجيه بوصلة مؤسسات الدولة، حتى وإن أدى ذلك للصدام مع الرؤى التقليدية السائدة آنذاك.
****
* عون الخصاونة (مرجعية القانون ومفهوم الولاية العامة):
سجل عون الخصاونة عام ٢٠١١، ومن موقعه كقاضٍ دولي، موقفاً حاسماً يتعلق بمفهوم الإدارة وقرار الدولة. اتخذ قراراً بتقديم استقالته حين استشعر تداخلاً في الصلاحيات، ليترك في الذاكرة الوطنية درساً واضحاً بأن موقع المسؤولية يُقاس بمدى القدرة على الاحتفاظ بحق اتخاذ القرار بشكل دستوري ومستقل.
****
خلاصة القول؛
إن توثيق سير هؤلاء الرجال ليس محاكمة لتاريخهم ولا تجميلاً مطلقاً لسياساتهم، بل هو قراءة متأنية في مفهوم "رجل الدولة".
إن الذاكرة الوطنية تحتاج إلى توثيق هذه المحطات لندرك أن قوة المؤسسات لا تُبنى إلا بوجود مسؤولين يمتلكون الإرادة، ويتحملون تبعات قراراتهم واجتهاداتهم بشجاعة أمام مؤسساتهم وأمام التاريخ، سواء اتفقنا معها أم اختلفنا.


























