إحسان الفقيه تكتب : حصارُ الموانئِ الإيرانية
نبأ الأردن -
ليست المشكلةُ في أنَّ واشنطن قرَّرت التصعيد؛ بل في طبيعةِ الأداة التي اختارتها.
فحصارُ الموانئِ الإيرانية لا يضغط على إيران وحدها، بل يمدُّ يده إلى الشحنِ العالمي، وأسعارِ الطاقة، وشركاتِ التأمين، وسلاسلِ الإمداد، وحتى إلى الحلفاءِ الذين يُفترض أنَّ أمريكا تحمي مصالحهم.
وحين يصبحُ الممرُّ البحريُّ رهينةَ المقامرة، لا يعودُ السؤال: من سيخسر أكثر؟
بل: كم دائرةً من الخسارة ستفتحها هذه الخطوة قبل أن تبلغَ هدفها؟
أعلنت القيادةُ المركزية الأمريكية أنَّها ستبدأ اعتراضَ حركةِ السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية أو الخارجة منها، على أن يبدأ التنفيذ يوم 13 أبريل/نيسان، بعد فشل محادثات إسلام آباد.
وبحسب الصياغات المعلنة، فالإجراء لا يغلق مضيق هرمز على كل الملاحة، لكنه يستهدف عمليا التجارة المرتبطة بإيران عبر موانئ الخليج وخليج عُمان.
وهنا تبدأ المفارقة الكبرى:
- البيت الأبيض يريد أن يضغط على إيران عبر البحر، لكنه لا يواجه دولةً معزولةً تماماً، بل عقدةً جغرافيةً تمسُّ واحدةً من أكثر مناطق العالم حساسيةً للطاقة.
فمضيق هرمز ليس تفصيلاً جانبياً..
في 2025 مرَّ عبره نحو 15 مليون برميل يومياً من الخام، أي ما يقارب 34% من تجارة النفط الخام العالمية، كما يمر عبره أيضاً نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً.
والأسوأ أنَّ البدائل البرية والأنبوبية المتاحة محدودة، وتقدَّر طاقتها الفائضة بما بين 3.5 و5.5 ملايين برميل يومياً فقط، معظمها في السعودية والإمارات.
أي أنَّ أي عبث طويل عند هرمز لا يعطِّل إيران وحدها، بل يضغط على قلب الطاقة العالمي نفسه.
لهذا فإنَّ حصار الموانئ الإيرانية ليس مجرد أداة ضغط؛ بل أداة توسيع أزمة....
فإيران، مهما كانت الخسائر، عاشت سنوات طويلة تحت العقوبات، وراكمت خبرةً في الالتفاف، وإعادة التوجيه، والاستفادة من شبكات الدفع غير الغربية، والبيع عبر أساطيل الظل.
أما الذين لا يملكون هذا التكيُّف، فهم السوق العالمية، وشركات النقل، والمستوردون، والدول التي تعتمد على انسياب الشحن لا على خطاب التحدي.
ولهذا نرى أن الملاحة في هرمز لم تعد إلى طبيعتها حتى بعد الهدنة المؤقتة؛ فعدد السفن العابرة هبط بشدة، وآلاف السفن والبحارة ظلوا عالقين، بينما بقيت الشركات الكبرى مترددة بسبب الغموض القانوني والأمني والتأميني.
ثم إنَّ هذا الحصار، في جوهره، لا يوجَّه إلى إيران وحدها، بل إلى شركائها أيضاً.
وهنا تظهر الصين باعتبارها العقدة الأصعب في المعادلة.
فبيانات 2025 أظهرت أنَّ الصين اشترت أكثر من 80% من النفط الإيراني المنقول بحراً، بمتوسط يقارب 1.38 مليون برميل يومياً. معنى ذلك أنَّ أي تشديد بحري أمريكي لا يمس طهران فقط، بل يقترب مباشرةً من أمن الطاقة الصيني، ومن أساطيل وشركات ووسطاء ومصارف بُنيت خصيصاً لتجاوز نظام العقوبات.
وبالتالي يصبح السؤال الحقيقي: هل تستطيع واشنطن أن تذهب بعيداً في اعتراض تجارةٍ تعرف أنَّ المشتري الأكبر لها هو بكين؟
أم أنَّها تلوِّح بالقوة أكثر مما تحتمل كلفتها السياسية والاقتصادية؟
ومن هنا فإنَّ من يتوهَّم أنَّ حصارَ الموانئ سيعزل إيران سريعاً، يغفل عن حقيقة أنَّ الضغط البحري الأمريكي قد يتحول إلى ضغطٍ على الحلفاء قبل الخصوم.
فالدول الخليجية التي تعتمد على هرمز بوصفه شريان تصدير، هي أول من يتضرر من اضطراب طويل، حتى لو لم تكن سفنها مستهدفة مباشرة.
أوروبا نفسها ليست المستفيدَ الصافي من الفوضى؛ هي أصلاً تحملت آثار اضطرابات الطاقة منذ الحرب الأوكرانية، وأي قفزة جديدة في الأسعار أو أقساط التأمين أو تكاليف الشحن ستضيف عبئاً جديداً على اقتصاداتها.
أما السوق الآسيوية، فهي الأكثر تعرضاً، لأن معظم الخام الخارج من هرمز يتجه إليها أساساً.
لكن الأخطر من هرمز وحده هو ما بعده....
فإذا شعرت طهران أنَّ حصار موانئها يهدف إلى خنقها تدريجياً دون قدرة على الرد المتماثل، فإنَّ المنطق الاستراتيجي يدفعها إلى نقل الكلفة إلى نقطة اختناق أخرى:
**باب المندب**
وهذا ليس استنتاجاً خيالياً؛ فالممرات البحرية مترابطة، وتعطيل باب المندب يعني إعادة إنتاج أزمة البحر الأحمر والسويس بصورة أشد، ويضرب مسارات التجارة بين آسيا وأوروبا ويرفع الأسعار ويطيل زمن الشحن.
الأمم المتحدة كانت قد حذرت سابقاً من أن اضطراب البحر الأحمر وحده يربك التجارة العالمية ويرفع الكلفة على الإمداد والتأمين والتسليم. فإذا اجتمع هرمز مع باب المندب، فنحن لا نكون أمام عقوبة على إيران، بل أمام اختناق بحري مزدوج.
لهذا لا تبدو المعادلة كما يحب البعض تبسيطها:
* أمريكا ليست بصدد "حلّ” أزمة، بل بصدد نقلها من جغرافيا إلى جغرافيا، ومن كلفة إلى كلفة أعلى...
هي تريد أن تُظهر أنَّها قادرة على ليِّ ذراع إيران دون حربٍ شاملة، لكن كل خطوة في هذا الاتجاه تدفع طهران للبحث عن مساحة ردٍّ غير متناظرة:
- رسوم عبور، تعطيل انتقائي، أساطيل ظل، شركاء غير غربيين، وتهديد دائم بتوسيع المسرح نحو البحر الأحمر.
*وهنا يتحول التفاوض نفسه إلى جزء من المعركة:
-ليس لأنَّ أحداً يريد سلاماً سريعاً، بل لأنَّ الجميع يريد أن يدخل أي تفاوض وهو يحمل أكبر قدر من الأوراق وأقل قدر من النزيف.
النتيجة النهائية أنَّ حصار الموانئ الإيرانية، إذا استمر، لن يقدِّم لأمريكا نصراً نظيفاً.
قد يربك إيران، نعم.
وقد يضيِّق عليها، نعم....
لكنه في المقابل سيُربك السوق، ويُربك الحلفاء، ويضع واشنطن أمام امتحان مع الصين، ويمنح طهران مبرراً لتوسيع مسرح الضغط من هرمز إلى ما بعد هرمز.
وأخيرا أقول:
من يظن أن البحر مجرد ممر، لا يفهم كيف تتحول الجغرافيا إلى سلاح.
وفي هذه اللحظة، لا يبدو أنَّ واشنطن تغلق على إيران باباً واحداً، بقدر ما تفتح على العالم أبواباً متعددة من الفوضى.
فالسياسة التي تبدأ بحصار الموانئ، قد تنتهي بحصار الأسواق.
والخطوة التي أُريد لها أن تخنق طهران، قد تتكفل أولاً بخنق الأعصاب العالمية.
==
إحسان الفقيه
المملكة الأردنية الهاشمية

























