د. وليد العريض يكتب: نيسان… حين يتوضأ الدم
نبأ الأردن -
في نيسان لا نكذب كما يفعل العالم، بل نمارس طقسًا أقدم من الكذب، طقس الاعتراف الصامت بأن الحقيقة في بلادنا لا تُقال بالكلمات بل تُكتب بالدم وأن الذاكرة ليست صندوقًا للحفظ بل محرابًا نعود إليه كل عام لنصلّي على أنفسنا.
في 9 نيسان 1948 لم تكن دير ياسين قرية، بل كانت درسًا صوفيًا مبكرًا في الفناء، حيث يتلاشى الجسد سريعًا وتبقى الحكاية أطول من العمر وحيث يكتشف العرب أن الموت لا يحتاج إلى ضجيج بل إلى صمت دولي متقن.
وفي 9 نيسان 2003 بلغت السخرية مقامها الأعلى حين سقطت بغداد لا كمدينة بل كمعنى وتحوّل الخراب إلى تحرير وكأن اللغة نفسها قررت أن تخون أصحابها وتدخل في حضرة القوة خاشعة.
أما لبنان ففيه يتجلّى نيسان كذكر يومي لا كتاريخ، حيث القصف صلاة بلا قبلة والناس دراويش يمشون بين الانفجارات وهم يرددون لعل النجاة هذه المرة قريبة، ثم يكتشفون أن الطريق إلى السلام أطول من أعمارهم.
نيسان ليس شهرًا بل حالة وجد عربي، نذوب فيه كل عام دون أن نتحرر، نعرف ونبكي ونتذكر ثم نعود كما كنا، كأننا نتقن الدور جيدًا شهودًا على مأساتنا ومتفرجين على تكرارها.
وفي الخاتمة لا تسألوا عن سر هذا الشهر، فهو الشيخ الذي يهمس بالحقيقة كل عام ونحن بإخلاص عجيب نهز رؤوسنا موافقين ثم نعود لنعيش كأننا لم نسمع شيئًا.

























