د. دانا خليل الشلول تكتب: خلف شاشات الدراما وأروقة المحاكم: هل يسبق المشرِّع الأردني 'صرخة كاميرا الدراما' المصرية؟

د. دانا خليل الشلول تكتب: خلف شاشات الدراما وأروقة المحاكم: هل يسبق المشرِّع الأردني صرخة كاميرا الدراما المصرية؟
نبأ الأردن -
​لم تعد أروقة المحاكم الشرعيّة هي المختبر الوحيد لصياغة مصائر الأسر العربيّة؛ فقد اقتحمت "الكاميرا" و"الدراما" قدسيّة النصوص القانونيّة، وحولتها من "أوراقٍ مغلقةٍ" إلى قضايا رأيٍ عامٍ عابرة للحدود.
 فمنذ الصرخة المدوية التي فجّرها مسلسل "فاتن أمل حربي" عام (2022)، وصولاً إلى الجدل الفلسفي الذي أحدثه مسلسل "أب ولكن"، ومسلسل "روج أسود" في رمضان (2026)، فلم يعد المشرِّع العربي بمنأى عن "المساءلة الدرامية"، وأمام هذا الحراك الزلزالي في مصر، يبرز السؤال الوجودي في صالوناتنا الحقوقية في الأردن: إلى أي مدى يظل الأردن "محصَّناً" ضد عدوى التعديلات؟ وهل سننتظر "عدسة" محلية لتفكيك شيفرة القوانين الجامدة؟

​"أب ولكن".. حين تسترد الأبوة "ولايتها" من المقصلة:
​أعاد مسلسل "أب ولكن" رسم خارطة الوجع الأسري بجرأةٍ غير مسبوقة، واضعاً الإصبع على جرح "الأب المُغيَّب". وكما وثّقت CNN Arabic، فإنَّ العمل "أعاد الجدل حول حق "المشاهدة" (الرؤية)، ممتداً إلى ما هو أبعد من مجرد "النفقة" وهي حق للطفل لا يقبل المساومة.
و​في الواقع الأردني، نحن أمام معضلة "الآباء الصامتين"؛ أولئك الذين سُلِبوا حق "الولاية التعليمية والصحية الحقيقيّة"؛ بحكم الأمر الواقع بعد الانفصال، فبينما يلتزم الأب بواجب الإنفاق، يجد نفسه "منفيّاً" عن القرار التعليمي أو الطبي لطفله، وكأنَّ الأبوة اختُزِلت في "صراف آلي"، ورغم أنَّ المشرّع الأردني كفل للأب حق الولاية التعليميّة والصحيّة في نصوصه، إلا أنَّ الواقع التطبيقي يحولها أحياناً إلى "ولاية معطلة" وسط ضجيج الخلافات والعناد؛ مما يستدعي تدخلاً يحمي "روح النص القانوني" من جمود التنفيذ. فيما أنَّ فلسفة "الولاية المشتركة" أو " الحضانة المشتركة" التي يطرحها الفن اليوم، ليست ترفاً، بل هي ضرورة لإنقاذ جيل من "يُتم الطلاق"، وهي دعوة للمشرّع الأردني لإعادة تعريف "المصلحة الفضلى للمحضون" بعيداً عن سياسة الإقصاء التعليمي والصحي للأب إلى جانب المشاهدة والاستزارة والمبيت كحقٍ أصيل للطفل لا يحتمل التجزئة.

​تشريع "المعايشة": هل نكسر قضبان "ساعات المشاهدة"؟
​تشير القراءات التحليلية، ومنها ما أوردته صحيفة Independent، إلى أنَّ مصر تمهد لتعديل قانون الأحوال الشخصية عبر الدراما. واليوم، يتصدر ملف "الاستزارة" (الاستضافة) واجهة النقاش التشريعي.
و​الأردن، بوسطيته المعهودة، يقف اليوم أمام استحقاق أخلاقي وقانوني؛ فحق "المشاهدة" الحالي أو ما يُسميه البعض "الرؤية"، والذي يُمارس أحياناً في مراكز وجمعيّات عامة هو "تواصل مبتور" لا يبني ذاكرة سويّة ومتوازنة للطفل مع والده، كما أنَّ الانتقال إلى ""الاستزارة"/ "الاستضافة" يُمثِّل تحولاً من "قانون العقوبة" إلى "قانون الرعاية"، وبدلاً من أن يكتفي المشرّع الأردني بدور 'المُراقِب' للتحولات الإقليمية، يمتلك اليوم فرصة تاريخية لتقديم ميثاق أسري يوازن بين كرامة الأم وحق الأب في المعايشة والقرار، دون الحاجة لانتظار "هزة درامية" محلية، خاصة وأننا اليوم نواجه أرقاماً تستدعي وقفة تأمل؛ حيث سجلت المملكة ما يقارب 26 ألف حالة طلاق وفقاً لآخر إحصائيّة رسميّة منشورة، مما يجعل من استقرار هذه الأسر الممتدة ضرورة قصوى للأمن المجتمعي الوطني، وحماية للنسيج الاجتماعي من تصدُّعات "المشاهدة المبتورة".

​القوة الناعمة.. أين "العدسة" الأردنية من وجع الأروقة؟
​كباحثة ومتخصصة في هذا المجال، لا يسعني إلا التساؤل عن سر "الخجل الدرامي" الأردني في الاشتباك مع قوانين الأحوال الشخصية. لماذا تظل قضايا "صندوق النفقة" أو "تعسف الحاضن" حبيسة التقارير الحقوقيّة الجافة، بينما تُصاغ في مصر كـ "مانشيتات" وطنيّة؟ حيث إنَّ الفن الذي يسبق المشرّع بخطوة هو الفن الذي يبني الأوطان.
وفي ذلك، فقد تكون هذه "اللفات الدرامية" في مصر ليست مجرد حبكة، بل من الممكن أن تكون بداية لتعديل التشريعات ليس في مصر فحسب، بل في الأردن ودول عربية أخرى، كونها نقلت معاناة آباء وأمهات إلى حيز الضوء بصورة إنسانية عابرة للحدود. وكما جاء في مشاريع القوانين المعروضة على البرلمان المصري، فإنَّ الهدف هو "تغيير فلسفة القانون من الصراع إلى التشارك"، هذه "الروح التشاركية" هي ما نحتاجه في الأردن؛ قانون يُدرك أنَّ الأب هو "ولي أمر" في المدرسة والمستشفى، تماماً كما هو ولي أمر في الإنفاق، وأنَّ هذه الشراكة هي الصمام الحقيقي لـ "ما وراء القانون"؛ أي للأمن النفسي والاجتماعي.

​ بوصلة العدالة لا الشاشة:
أخيراً، ​إنَّ القانون كائنٌ حي، وإذا لم يتنفس واقع الناس، فإنَّه يتحول إلى أداةٍ للقهر دون وعيٍ منّا، ومصلحة الطفل الأردني كأي طفلٍ في العالم تقتضي اليوم مشرِّعاً "استباقياً" يمنح الأب والأم حقوقاً متوازنة في الرعاية والقرار، فنحن لسنا بحاجة لانتظار "كاميرا" لندرك أنَّ العدالة تقتضي إنصاف "الآباء المحرومين" وتمكين "الأمهات الحاضنات" في آن واحد ودون تعسفٍ في استخدام الحق في الحضانة؛ وذلك لحماية مصلحة الطفل الفضلى، فالعدالة الحقيقية هي التي تسبق الدراما لتصنع واقعاً لا يحتاج إلى "مسلسلات" للبكاء عليه. ولكن قد يراود كل من يُعاني تساؤلات متتالية تكاد لا تتوقف: هل سنرى العدالة في مرآة الدراما فقط؟ هل تحرّك رياح مصر الدراميّة والتشريعيّة المياه الراكدة في الأردن؟ هل ستعمل الدراما المصريّة كقوةٍ ناعمةٍ في التعديل القانوني؟ هل يكتب قطار الدراما المصريّة فصل التغيير في القوانين الشرعيّة للأسرة الأردنية؟ فبين عدسة الدراما المصريّة وأروقة المحاكم الشرعيّة الأردنيّة أصواتٌ لآلاف الآباء والأمهات والأجداد الذين ينتظرون بأملٍ مكسورٍ أن تفتح 'الدراما القانونيّة' من مصر آفاقاً لتعديل قانون الأحوال الشخصية الأردني، متعلقين بأملٍ أن تكسر جرأة الدراما المصريّة جمود النصوص القانونية.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions