م.صلاح طه عبيدات يكتب: من التفتيش التقليدي إلى التفتيش الذكي: كيف تعيد ISO/IEC 17020:2026 رسم ملامح الثقة العالمية؟

م.صلاح طه عبيدات يكتب: من التفتيش التقليدي إلى التفتيش الذكي: كيف تعيد ISOIEC 17020:2026 رسم ملامح الثقة العالمية؟
نبأ الأردن -
لم يعد التفتيش مجرد عملية تحقق روتينية، بل أصبح ركيزة أساسية لضمان السلامة والجودة وبناء الثقة بين المنتج والمستهلك. من هنا يأتي الإصدار الجديد من المواصفة الدولية ISO/IEC 17020:2026 ليشكل نقطة تحول نوعية في فلسفة عمل جهات التفتيش على مستوى العالم.
هذا التحديث لا يمثل مجرد تعديل تقني على نسخة ISO/IEC 17020:2012، بل يعكس تحولًا عميقًا من نموذج قائم على الامتثال الصارم إلى نموذج أكثر مرونة وذكاءً يعتمد على إدارة المخاطر واستيعاب التحولات الرقمية.
لطالما ارتبطت جهات التفتيش بتصنيفات محددة (A وB وC) تعكس درجة استقلاليتها، إلا أن الإصدار الجديد يتجاوز هذا الإطار التقليدي، ليقدم نموذجًا أكثر بساطة وعمقًا في آن واحد. لم يعد التركيز على "نوع الجهة” بقدر ما أصبح على "قدرتها على إدارة مخاطر الحيادية وتضارب المصالح”.
هذا التحول يعكس نضجًا في الفهم المؤسسي، حيث لم تعد الحيادية تُقاس بالشكل التنظيمي فقط، بل بقدرة النظام على التنبؤ بالمخاطر ومعالجتها بشكل استباقي.
أحد أبرز ملامح الإصدار الجديد هو الاعتراف الصريح بدور التكنولوجيا في عمليات التفتيش. فالتفتيش لم يعد حكرًا على الزيارات الميدانية التقليدية، بل أصبح يشمل التفتيش عن بعد، واستخدام الطائرات بدون طيار، وتحليل البيانات الرقمية، والاعتماد على البرمجيات الذكية. هذا التوجه ينسجم مع التحولات العالمية في الصناعة والخدمات، ويجعل من جهات التفتيش لاعبًا فاعلًا في الاقتصاد الرقمي، لا مجرد جهة رقابية تقليدية.
جاءت المواصفة الجديدة أكثر انسجامًا مع بقية معايير سلسلة 17000، مثل ISO/IEC 17025:2017 وISO/IEC 17065، وهو ما يعزز التكامل بين أنشطة الاختبار والتفتيش ومنح الشهادات. هذا التكامل لا يقلل فقط من الازدواجية، بل يفتح المجال أمام بناء أنظمة متكاملة قادرة على تقديم خدمات تقييم مطابقة أكثر كفاءة وموثوقية.
في ظل التحول الرقمي، لم تعد السرية تقتصر على حماية الوثائق الورقية، بل امتدت لتشمل أمن المعلومات والبيانات الإلكترونية. ولذلك، وسّعت المواصفة الجديدة نطاق متطلبات السرية لتشمل حماية البيانات عبر الأنظمة الرقمية، في خطوة تعكس إدراكًا عميقًا لمخاطر العصر الرقمي.
لم يعد المفتش مجرد خبير فني، بل أصبح مطالبًا بامتلاك مهارات متعددة تشمل الكفاءة الرقمية، والقدرة على تحليل البيانات، وفهم الأنظمة الذكية، وإدارة المخاطر. هذا التحول يفرض على جهات التفتيش إعادة النظر في برامج التدريب وبناء القدرات، لتأهيل كوادر قادرة على التعامل مع تحديات المستقبل.
على مستوى نظام الإدارة، عززت المواصفة الجديدة مفاهيم التفكير المبني على المخاطر والتحسين المستمر، مع مواءمة أوضح مع ISO 9001:2015، ما ينتج نظامًا أكثر ديناميكية وقدرة على التكيف مع التغيرات بدلاً من الاكتفاء بالامتثال لها.
في جوهرها، تسعى ISO/IEC 17020:2026 إلى إعادة تعريف مفهوم الثقة في نتائج التفتيش. لم تعد الثقة تُبنى فقط على الالتزام بالإجراءات، بل على القدرة على إدارة المخاطر، وضمان النزاهة، والتكيف مع التكنولوجيا.
يمثل هذا التحديث خطوة متقدمة نحو بناء منظومة تفتيش أكثر ذكاءً ومرونة، قادرة على مواكبة تحديات العصر الرقمي. وهو في الوقت ذاته اختبار حقيقي لمدى جاهزية المؤسسات لتبني مفاهيم جديدة تتجاوز الامتثال التقليدي نحو الابتكار والثقة المستدامة.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions