د. وليد العريض يكتب: العصر البرتقالي: حين يُعاد تعريف القبح بوصفه واقعًا
نبأ الأردن -
لم يعد هذا الزمن زمن العقل ولا الحياء، بل زمن الانفلات الكامل من كل قيمة تضبط الكلمة أو السلوك، حيث يُقال الكذب بلا ارتباك ويُمارس التزييف كأنه حق مشروع، وحيث تتحول الوقاحة إلى لغة رسمية في الخطاب العام، تُقال فيها الأمور "عيني عينك" دون أدنى شعور بالخجل أو المساءلة، كأن الضمير قد أُعلن موته الجماعي، وكأن الحقيقة لم تعد سوى تفصيل صغير يمكن تجاوزه أو إعادة تشكيله وفق ما تقتضيه المصلحة، فاصلتين
في هذا العصر الذي يمكن وصفه بـ"البرتقالي"؛ لا يعود الخطر محصورًا في العدو الظاهر الذي نعرفه ونتوقع أفعاله، بل يتجسد في أولئك الذين يتحدثون بلساننا، ويتخفّون داخل خطابنا، ويعيدون إنتاج رواية الخصم بلغة محلية، هؤلاء الذين يبررون الانكسار ويسوّقون الهزيمة ويمنحونها شرعية زائفة تحت مسميات الواقعية والعقلانية، إنهم لا يكتفون بتشويه الوعي، بل يعيدون تشكيله بالكامل، بحيث يصبح ما كان مرفوضًا مقبولًا، وما كان خيانة يُقدَّم بوصفه اجتهادًا سياسيًا، فاصلتين
إن أخطر ما في هؤلاء أنهم لا يسرقون الأرض وحدها، بل يسرقون المعنى، ولا يقتلون الجسد فقط، بل يفتكون بالبوصلة الداخلية للأمة، فيحوّلون المقاومة إلى تهمة، والكرامة إلى عبء، والتطبيع إلى إنجاز، ويزرعون في النفوس حالة من الاستسلام المقنّع بالعقلانية الزائفة، حتى يصبح الإنسان شريكًا في تبرير ما كان يجب أن يرفضه بالفطرة، فاصلتين
ولهذا، فإن هزيمة الأمم لا تبدأ من قوة أعدائها، بل من لحظة قبولها الداخلي بالرواية التي تُفرض عليها، ومن اللحظة التي يتكاثر فيها أبناؤها الذين يُتقنون فن تبرير الانحدار أكثر من قدرتهم على مقاومته، وهنا يصبح العدو الخارجي مجرد تفصيل، بينما يتحول الخطر الحقيقي إلى ذلك الصوت القريب الذي يُقنعك بأن الهزيمة قدر، وأن الاستسلام حكمة، وأن الصمت هو الخيار الوحيد الممكن، فاصلتين.


























