م صلاح طه عبيدات يكتب : من مجد الرسالة إلى مأزق اللحظة… العرب بين الذاكرة الحضارية واستحقاقات البقاء

م صلاح طه عبيدات يكتب : من مجد الرسالة إلى مأزق اللحظة… العرب بين الذاكرة الحضارية واستحقاقات البقاء
نبأ الأردن -
ليست المأساة العربية اليوم في حجم التحديات، بل في طريقة إدراكها. فالأمم لا تُهزم حين تُحاصر، بل حين تفقد قدرتها على فهم ذاتها. وبين ذاكرةٍ ممتدةٍ في عمق الحضارة، وواقعٍ يتآكل تحت وطأة الصراعات، يقف العرب عند مفترق تاريخي حاد، تتزاحم فيه الأسئلة الكبرى: من نحن؟ وماذا نريد؟ وكيف نكون؟
حين بزغ فجر الإسلام من جزيرة العرب، لم يكن حدثاً دينياً محضاً، بل تحولاً حضارياً شاملاً أعاد صياغة الإنسان والعالم. حمل العرب رسالة الإسلام إلى الآفاق، لا بالسيف وحده كما يُروّج، بل بالفكرة والعلم والقيم. وفي ظل تلك الرسالة، ازدهرت ميادين الفلسفة والطب والفلك والرياضيات، من بغداد إلى قرطبة، حيث امتزج العقل بالإيمان، وشُيّدت حضارة إنسانية كانت جسراً بين الشرق والغرب.
لم يكن العرب آنذاك مجرد ناقلين، بل صانعي معنى. أسهموا في حفظ التراث الإنساني، وطوّروه، وفتحوا أبواب المعرفة أمام العالم. لقد كان العربي مشروع إنسان، لا مجرد رقم في معادلة سياسية.
غير أن هذا المجد، الذي كان يوماً واقعاً، تحوّل اليوم إلى عبء نفسي يُستدعى في الخطابات أكثر مما يُترجم في الأفعال. وهنا تكمن المفارقة الفلسفية: أمة تمتلك كل عناصر القوة—اقتصادياً، واستراتيجياً، وثقافياً—لكنها تعيش حالة عجز مركّب، أشبه بما يمكن تسميته "الانفصال بين الإمكان والفعل".
إن العرب، إذا ما توحدوا، يشكلون واحدة من أعظم القوى الاقتصادية في العالم، بثرواتهم الطبيعية، وأسواقهم الواسعة. وموقعهم الجغرافي ليس مجرد خرائط، بل قلب العالم النابض، حيث تتقاطع طرق التجارة والطاقة والثقافة. أما تنوعهم الاجتماعي والثقافي، فهو مصدر غنى لا تهديد، لو أُحسن استثماره ضمن مشروع حضاري جامع.
لكن الواقع يسير في اتجاه معاكس. فالعالم العربي اليوم لا يواجه أزمة واحدة، بل سلسلة أزمات متداخلة، تُدار في كثير من الأحيان من خارج الإرادة العربية. وما يجري من تصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل حضور إسرائيلي فاعل ومؤثر، ليس مجرد صراع إقليمي، بل إعادة تشكيل لموازين القوى في المنطقة، قد يكون العرب أكبر الخاسرين فيه إن بقوا على حالهم.
إن الانخراط في هذا الصراع—مباشرة أو بالوكالة—دون امتلاك رؤية استراتيجية عربية مستقلة، يعني ببساطة استمرار استنزاف الموارد، وتعميق الانقسام، وتحويل الجغرافيا العربية إلى مسرح لتصفية الحسابات الدولية.
الفلسفة السياسية هنا تفرض سؤالاً حاداً: هل العرب فاعلون في التاريخ، أم مجرد مفعول بهم؟
ما يحدث اليوم لا يمكن قراءته بمعزل عن مشروع هيمنة عالمي، تتداخل فيه المصالح الأمريكية مع الرؤية الصهيونية، في سياق لا يعترف إلا بمنطق القوة. لكن الأخطر من هذا المشروع، هو القابلية الداخلية للاستجابة له، عبر التفكك، وسوء الإدارة، وغياب الرؤية المشتركة.
لقد أثبت التاريخ أن الأمم لا تُستباح إلا حين تنقسم على ذاتها. وتلك هي اللحظة التي أشار إليها المثل العميق: "أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض". إنها ليست مجرد حكاية، بل قانون حضاري يتكرر.
أما اليوم، فالعرب أمام خيارين لا ثالث لهما:
إما الاستمرار في حالة "اللا-فعل"، حيث تُدار أزماتهم من الخارج، وتُستنزف طاقاتهم في صراعات لا تخدم مستقبلهم؛
أو الانتقال إلى مرحلة الفعل الواعي، عبر إعادة بناء مشروع عربي قائم على:
وحدة المصالح لا الشعارات
استقلال القرار السياسي
تعزيز التكامل الاقتصادي
إحياء الدور الثقافي والحضاري
تبني خطاب عقلاني يوازن بين القوة والقيم
في سياق الحرب بين أمريكا وإيران، ينبغي على العرب ألا يكونوا وقوداً ولا متفرجين، بل قوة توازن، تدفع نحو التهدئة، وتحمي مصالحها عبر الحياد الذكي، والانخراط الدبلوماسي الفاعل، وبناء منظومة أمن إقليمي عربية مستقلة.
إن التاريخ لا يرحم المترددين، ولا يمنح الفرص مرتين. والعرب، بما يملكونه من إرث وإمكانات، ليسوا أمة عاجزة، بل أمة لم تُحسن بعد قراءة لحظتها.
 السؤال الأعمق الذي يطرح نفسه:
هل نُدرك أن الانهيار ليس قدراً… بل نتيجة؟
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions