د. وليد العريض يكتب: حين يربح ترامب الحرب… وحين تخسر الحقيقة!
نبأ الأردن -
في عالم دونالد ترامب لا تُقاس الوقائع بنتائجها بقدر ما تُقاس بقدرة صاحبها على إعلانها، إذ تتحول الهزيمة إلى سوء فهم عابر، ويتحول النصر إلى ملحمة شخصية مكتملة الأركان، ويُعاد ترتيب العالم كله داخل خطاب واحد يبدأ بـ"أنا" ولا ينتهي إلا بها حيث تختفي الحقائق خلف البلاغة، ويُختصر التاريخ في تغريدة، ويُستبدل المنطق بالتصفيق… .
إذا ما قُدّر للحرب أن تُعلن انتصارًا، فإن دونالد ترامب سيقف في مقدمة المشهد بوصفه مهندس المجد الأوحد، وسيُعاد تقديم بنيامين نتنياهو كحليف ذكي اكتشفه في الوقت المناسب، وستتحول الجيوش إلى أدوات تنفيذ عبقرية لرؤيته بينما يُعاد تعريف النصر ليصبح حدثًا إعلاميًا أكثر منه واقعًا ميدانيًا، وتُختصر الدماء في أرقام هامشية، وتُباع الحروب كإنجازات انتخابية… .
أما إذا انزلقت الوقائع نحو الخسارة، وهي أقرب إلى منطق التاريخ من منطق التغريدات، فإن المشهد نفسه يُعاد ترتيبه ولكن بأدوار معكوسة، فيتحول دونالد ترامب إلى ضحية شبكة معقدة من الخداع، ويتحول بنيامين نتنياهو من حليف عبقري إلى عبء ثقيل ومصدر إلحاح بينما تُلقى المسؤولية على الحلفاء والجنرالات والاستخبارات، ويُعاد تقديم الحرب كفخ لم يكن يرغب به، وكأن القرار لم يكن يومًا في يده… .
المثير للسخرية ليس في نتائج الحرب بقدر ما هو في ثبات الرواية التي تليها، حيث يظل دونالد ترامب هو الرابح في جميع السيناريوهات، فإن انتصر نسب المجد لنفسه، وإن خسر نسب الخطأ لغيره بينما يبقى بنيامين نتنياهو مجرد تفصيل قابل لإعادة التفسير، مرة بوصفه شريك نجاح، ومرة بوصفه سبب التعثر، في مسرح سياسي لا يعترف بالثوابت… .
وفي خضم هذا العرض الطويل، يقف الشرق الأوسط في موقع المتلقي الدائم للنتائج، حيث تُخاض المعارك على أرضه، وتُكتب الروايات بعيدًا عنه، وتُدار حسابات الربح والخسارة فوق خرائطه دون أن يكون جزءًا من القرار بينما تستمر الدائرة ذاتها في الدوران، وتبقى الحقيقة هي الخاسر الوحيد، ويتحول الألم إلى هامش في خطاب طويل… .
وفي النهاية، لا تكمن المفارقة في احتمالات الربح أو الخسارة، بل في قابلية العالم لتصديق أن الحروب يمكن أن تُدار كعروض إعلامية، وأن نتائجها تُصاغ بلغة المنتصر لا بلغة الواقع بينما الضحايا مجرد تفاصيل قابلة للتجاهل، والحقيقة البسيطة تظل ثابتة رغم كل شيء، وهي أن ما يُعلن انتصارًا قد يكون هزيمة مؤجلة، وما يُخفى كخسارة قد يكون الحقيقة الوحيدة… .


























