د. عبدالله محمد القضاه يكتب: حين يُعاقَب من يحاول تصحيح خطئه: ثغرة صامتة في قانون الضمان الاجتماعي

د. عبدالله محمد القضاه يكتب: حين يُعاقَب من يحاول تصحيح خطئه: ثغرة صامتة في قانون الضمان الاجتماعي
نبأ الأردن -
في خضم الانشغال التشريعي الذي يشهده مجلس النواب الأردني بمناقشة تعديلات قانون الضمان الاجتماعي، تبرز قضية محورية، وإن كانت لا تحظى بالقدر الكافي من الاهتمام، إلا أنها تمس جوهر العدالة الاجتماعية وتؤثر بشكل مباشر على شريحة واسعة من المواطنين. هذه القضية تتمحور حول مصير أولئك الذين اتخذوا قرار التقاعد المبكر، ليجدوا أنفسهم لاحقاً أمام واقع يفرض عليهم إعادة النظر في هذا القرار، لكن دون وجود أي آلية قانونية تتيح لهم تصحيح مسارهم.
إن التشريعات الحصيفة لا تقتصر مهمتها على تنظيم السلوك فحسب، بل تتعداها إلى توفير الفرص لتصحيح الأخطاء. وإذا كان التقاعد المبكر يُنظر إليه في كثير من الأحيان كخيار متعجل أو غير مدروس، فإن المنطق التشريعي السليم يقتضي فتح أبواب العودة لمن يرغب، لا إغلاقها بإحكام. فالحياة تتغير، والظروف الاقتصادية تتبدل، وما كان قراراً صائباً بالأمس قد لا يكون كذلك اليوم.
يجد المتقاعد مبكراً نفسه اليوم في مواجهة معادلة قاسية ومفارقة مؤلمة: فلا تتاح له فرص عمل جديدة، ولا يملك إمكانية العودة إلى الاشتراك الاختياري في مظلة الضمان الاجتماعي. إنها حالة من الجمود القسري" التي تفرضها النصوص القانونية الحالية، مما يحرمه من أي فرصة لتحسين مستقبله التقاعدي، ويُبقيه أسيراً لقرار اتخذه في ظروف قد تكون قد تغيرت جذرياً.
الأخطر من ذلك، أن هذا الجمود لا يقتصر ضرره على الفرد المتقاعد فحسب، بل يمتد ليطال منظومة الضمان الاجتماعي برمتها. فبدلاً من أن تكون هذه المنظومة رافداً لتعزيز استدامتها من خلال توسيع قاعدة المشتركين، فإنها تقوم بإقصاء من يرغب طوعاً في العودة والمساهمة، وبالتالي تحرم نفسها من مورد إضافي كان يمكن أن يعزز من متانتها المالية.
هنا، يبرز مقترح إصلاحي يتسم بالبساطة والوضوح والعدالة: لماذا لا يُمنح المتقاعد مبكراً الحق في إيقاف راتبه التقاعدي – سواء كلياً أو جزئياً – وفق الآلية المعتمدة حالياً لمن يعود إلى عمل مشمول بأحكام قانون الضمان الاجتماعي؟ وفي المقابل، يُسمح له بالاشتراك الاختياري في الضمان، استناداً إلى آخر أجر خاضع للاقتطاع قبل تقاعده؟
إن هذا التعديل المقترح لا يمثل أي كلفة حقيقية على صندوق الضمان الاجتماعي، بل على العكس تماماً، فإنه يفتح آفاقاً جديدة لتعزيز الإيرادات، ويُعيد دمج شريحة واسعة من المواطنين الراغبين في الإنتاج والمساهمة في الاقتصاد الوطني. كما أنه ينسجم تماماً مع الفلسفة الحديثة في التشريع، التي تقوم على المرونة وتمكين الأفراد من تصحيح مساراتهم، بدلاً من معاقبتهم على قرارات اتخذوها في الماضي.
إن جوهر العدالة لا يكمن في منع الخطأ من الأساس، بل في إتاحة الفرصة لتصحيحه. والإبقاء على النص القانوني الحالي بصيغته الجامدة يرسل رسالة سلبية مفادها أن النظام لا يغفر ولا يمنح فرصة ثانية، وهو ما يتناقض بشكل صارخ مع روح الإصلاح والتطوير التي يفترض أن تقود هذه التعديلات التشريعية.
رسالتي إلى السادة أعضاء مجلس النواب الأردني- وخاصة لجنة العمل- أنتم اليوم أمام فرصة تاريخية لإقرار تعديل تشريعي ذكي وعادل، لا يكتفي بمعالجة التحديات الراهنة، بل يستشرف آفاق المستقبل. تعديل من شأنه أن يعزز الثقة بين المواطن ومؤسساته، ويستجيب للواقع الاقتصادي المتغير، ويؤكد أن التشريع في الأردن ليس أداة للتقييد، بل هو أداة فاعلة للتمكين والتطوير.
فهل سنُبقي الباب مغلقاً في وجه من يريد أن يُسهم من جديد في بناء وطنه، أم سنمنحه حق العودة بشروط عادلة تخدم مصلحته ومصلحة الوطن العليا؟.
* أمين عام وزارة تطوير القطاع العام سابقا.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions