م.صلاح طه عبيدات يكتب: هندسة التوازنات العربية المطلوبة
نبأ الأردن -
في عالم السياسة، لا تُقاس الحقائق بحجم الضجيج، بل بعمق ما يجري في الخفاء. وما تشهده المنطقة اليوم لا يمكن اختزاله في صراع تقليدي بين أطراف متنازعة، بل هو مشهد مركّب من المصالح المتداخلة، حيث تتقاطع خطوط الخصومة والتعاون في آنٍ واحد، وتتحول المواجهات إلى أدوات ضغط تُستخدم لإعادة رسم موازين القوة.
لقد تغيّرت قواعد اللعبة. لم تعد الحروب بالضرورة وسيلة للحسم، بل أصبحت في كثير من الأحيان أداة لإدارة الصراع، تُستخدم حيناً للتصعيد وحيناً آخر لفتح قنوات تفاوض غير مباشرة. في هذا السياق، لم تعد القوة عسكرية فقط، بل أصبحت قدرة على ضبط الإيقاع، والتحكم بمستوى التوتر، وتوجيه مسار الأحداث بما يخدم المصالح الاستراتيجية.
التجارب الأخيرة أظهرت بوضوح أن الاعتماد على الخارج لم يعد خياراً آمناً. فالدول التي تربط أمنها بقوى خارجية تجد نفسها عرضة لتقلبات لا تملك السيطرة عليها. في المقابل، الدول التي تعمل على تنويع خياراتها، وتوسيع بدائلها، وبناء قدراتها الذاتية، تصبح أكثر قدرة على حماية مصالحها وموقعها في المعادلة الإقليمية.
من هنا تبرز أهمية ما يمكن تسميته بهندسة التوازنات العربية. هذا المفهوم لا يعني الدخول في محاور مغلقة، بل يشير إلى بناء قدرة حقيقية على المناورة، عبر تنويع العلاقات، وتعزيز التعاون الإقليمي، وتقليل الاعتماد على نقاط الضعف الجيوسياسية التي يمكن أن تتحول إلى أدوات ضغط.
كما أن طبيعة الخصومة نفسها تغيّرت. لم يعد الصراع صفرياً بالضرورة، بل أصبح في كثير من الحالات قابلاً للإدارة. احتواء الخصم قد يكون أحياناً أكثر فاعلية من مواجهته، والتعامل البراغماتي مع الواقع قد يحقق نتائج لا يمكن تحقيقها عبر الشعارات أو التصعيد المستمر.
في هذا الإطار، يظل الفهم العميق لطبيعة الدولة ودورها أمراً أساسياً. فالدولة، كما يوضح نيكولو مكيافيلي، كيان يسعى إلى البقاء أولاً، ويعيد ترتيب أولوياته وفق هذا الهدف. وهذا لا يعني غياب القيم، بل يعني أن القيم نفسها تُدار ضمن حدود المصلحة.
التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في سلوك الدول، بل في كيفية قراءة هذا السلوك. فحين يتم تبسيط المشهد إلى ثنائيات حادة، يفقد التحليل عمقه، وتضيع القدرة على فهم ما يجري فعلاً. أما إدراك تعقيد المصالح وتشابكها، فهو المدخل الأساسي لبناء موقف واعٍ وقادر على التعامل مع الواقع.
في المحصلة، لا تُقاس القوة بما يُقال في التصريحات، بل بما يتحقق على الأرض. ولا تُصنع التحولات بردود الفعل، بل بامتلاك رؤية واضحة وإرادة قادرة على تنفيذها. والمنطقة العربية تقف اليوم أمام خيار حقيقي: إما أن تبقى في موقع المتلقي لما يُفرض عليها، أو أن تنتقل إلى موقع الفاعل الذي يشارك في صياغة توازناته بنفسه.

























