د. وليد العريض يكتب: حين رفع الفلاح بندقيته في وجه السماء الغابة التي لا يُستجاب فيها الدعاء

د. وليد العريض يكتب: حين رفع الفلاح بندقيته في وجه السماء الغابة التي لا يُستجاب فيها الدعاء
نبأ الأردن -
في تلك الغابة التي تعلّمت الحيوانات فيها أن تصمت أكثر مما تتكلم، وأن تنحني أكثر مما تقف، خرج فلاحٌ من أطراف الحكاية لا يُشبه الضباع ولا الثعالب ولا النسور، وقف بثوبه البسيط وبندقيته العتيقة، ورفع رأسه نحو السماء التي اعتادت أن تُستباح دون اعتراض، كأنه يعلن خللًا في نظام الطاعة لا أكثر،؛
وحين مرّت الطائرات فوقه ضحكت الضباع وقالت هذا مجنون، وقالت الثعالب هذا لا يفهم قواعد اللعبة، أما الغربان فدوّنت أن السماء لا تُناقش وأن من يعترض يُمحى، لكن الفلاح لم يقرأ تلك السجلات ولم يحفظ قوانين الغابة الجديدة، ضغط على زناد بندقيته ليقول إن هناك من لم يوقّع بعد على عقد العبودية،؛
اهتزّت الغابة لا من صوت الرصاصة بل من معناها، لأن الرصاصة لم تصب الطائرة لكنها أصابت فكرة التفوق التي كانت تتجوّل دون مساءلة، وفجأة بدت الطائرات أقل هيبة لا لأنها سقطت بل لأنها كُشفت، إذ كيف تخاف قوة تملأ السماء من رجل يقف على الأرض،؛
أما الحيوانات الصغيرة التي كانت تراقب من خلف الأشجار فقد رأت ما لم تره الضباع، فهمت أن الوقوف ممكن وأن السماء ليست بعيدة كما قيل لهم، وأن الخوف ليس قانونًا بل عادة يمكن كسرها، وفي تلك اللحظة تغيّر شيء يشبه البذرة حين تنشق بصمت،؛
وحاولت الضباع بعد ذلك أن تشرح ما حدث فقالت إن الفلاح خاسر، وإن الطائرات تستطيع أن تمحو القرية في لحظة، وقالت الثعالب إن الحكمة في الصمت وإن النجاة في الانحناء، لكن أحدًا لم يستطع إقناع العيون التي رأت الفلاح وهو يقف، لأن الصورة كانت أصدق من كل خطب الغابة،؛
ومنذ ذلك اليوم لم تتغير الطائرات ولم تتوقف عن التحليق، ولم تختف قوانين الغابة ولم تسقط هيمنتها، لكن شيئًا واحدًا لم يعد كما كان، لم يعد الخضوع بديهيًا ولم يعد الصمت فضيلة، لأن الفلاح فتح ثغرة في جدار الخوف،؛
وفي سجلات الغابة التي لا يُستجاب فيها الدعاء كُتب ذلك اليوم بطريقة مرتبكة، حاولوا أن يصفوه كحادث عابر أو فعل بلا جدوى، لكن الحقيقة تسللت بين السطور بهدوء، أن الغابة قد تُحكم بالقوة لكنها لا تُمتلك، وأن الصمت لا يعني القبول،؛
وهكذا بقي الفلاح واقفًا في ذاكرة الحكاية لا لأنه أسقط طائرة، بل لأنه أسقط وهمًا كبيرًا، وهم أن السماء لمن يملكها وأن الأرض لمن يخاف، وبقيت الطائرات تحلق تبحث عن غابة كاملة الطاعة، لكنها لم تجد ولن تجد،؛
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions