د. محمد حسن الطراونة يكتب: رئة نيسان.. بين غبار "الخماسين" وسحب "الفيب" الزائفة!

د. محمد حسن الطراونة يكتب: رئة نيسان.. بين غبار الخماسين وسحب الفيب الزائفة!
نبأ الأردن -
استشاري الأمراض الصدرية والتنفسية 

يحلّ نيسان بجماله المعهود، لكنه في الأردن لا يأتي فرداً؛ بل يجرّ خلفه "ضريبة الربيع" التي ترهق صدور الأردنيين. فبين تقلبات الجو الخماسيني وزحف حبوب اللقاح، تقف "رئة نيسان" في اختبار سنوي صعب، حيث يصبح "النفس العميق" حلماً يراود مئات الآلاف من مرضى الحساسية والربو.

لكن المفارقة التي تثير القلق ، هي أننا لم نعد نكتفي بـ "غبار الجو " الذي هو قدر بيئي نتعامل معه طبياً، بل أضفنا إليه "غباراً صناعياً زائفاً " بامتياز. فبينما يهرب المواطن إلى المتنزهات بحثاً عن هواء نقي، يصطدم بسحب "الفيب" التي باتت تُباع على أرصفة الشوارع وفي "الأكشاك" وكأنها حلوى للأطفال، تحت سمع وبصر الرقابة الغائبة أو "المغيبة".
بصفتي طبيباً في الأمراض الصدرية، لا أرى في هذه السحب الملونة مجرد "بخار"، بل أرى فيها فشلاً في السياسات الصحية وتراخياً في تطبيق القوانين التي تمنع التدخين في الأماكن العامة. إن غزو التدخين الإلكتروني لشبابنا ليس مجرد سلوك فردي خاطئ، بل هو نتيجة لفتح الأبواب على مصراعيها لشركات تتاجر بصحة الأجيال مقابل أرباح عابرة للقارات، وسط صمت مطبق من جهات تنظيمية كان الأجدر بها أن تكون "خط الدفاع الأول" عن رئة الوطن.

إن "رئة نيسان" اليوم تئن من ضيق مزدوج: ضيق سببه حبوب اللقاح، وضيق سببه "الاختناق الرقابي" الذي سمح لهذه السموم أن تصبح ثقافة مجتمعية. إننا نتحدث عن بناء "مدن جديدة" وعن "تحديث إداري"، فهل نسينا أن الإنسان هو حجر الزاوية في أي بناء؟ وكيف يستقيم التحديث مع جيل مهدد بـ "التهاب رئوي كيميائي" قبل أن يبلغ الثلاثين؟
إن استمرار هذا الانفلات في الأسواق، والتعامل بـ "نعومة" مع ملف التبغ والتدخين الإلكتروني، هو استنزاف مباشر لميزانية الدولة الصحية مستقبلاً. نيسان يجب أن يكون شهراً للمناعة، لا موسماً لتراكم الأرباح على حساب أنفاس الأردنيين.

آن الأوان لسياسة صحية تملك "رئة" قوية لا تخشى مواجهة حيتان التبغ، ولرقابة تملك "عيناً" لا تغمض عن حماية أطفالنا. فالهواء النقي حق سياسي وقانوني قبل أن يكون مطلباً طبياً.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions