د.عبدالله محمد القضاه يكتب: الإدارة المحلية في الأردن: من هندسة التقسيم إلى سيادة التنمية

د.عبدالله محمد القضاه يكتب: الإدارة المحلية في الأردن: من هندسة التقسيم إلى سيادة التنمية
نبأ الأردن -
تُعد الإدارة المحلية ركيزة أساسية في بناء الدولة الحديثة وتعزيز مسارات التنمية الشاملة، لا سيما في ظل التوجهات العالمية نحو اللامركزية وتمكين المجتمعات المحلية. وفي المملكة الأردنية الهاشمية، حيث تتسارع وتيرة التحديث السياسي والاقتصادي والإداري، يبرز الدور المحوري للإدارة المحلية كشريك فاعل في تحقيق هذه الرؤى الملكية السامية. إن كفاءة وفعالية هذه المنظومة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمدى ملاءمة التقسيمات الإدارية، واستقلالية البلديات، وقدرتها على تلبية احتياجات المواطنين وتحفيز التنمية المحلية.
لقد اعتمدت المملكة الأردنية الهاشمية في تقسيمها الإداري على نظام المحافظات الذي يتألف من ألوية وأقضية. ورغم أن معايير جغرافية وديموغرافية وتنموية وخدمية تُفترض في تحديد هذه التقسيمات، إلا أن التطبيق العملي قد كشف عن تباين ملحوظ أفضى إلى فوارق عميقة في مستويات الخدمات والتنمية بين المحافظات. فعلى سبيل المثال، تتألف محافظات كالعاصمة عمان وإربد من تسعة ألوية، بينما تقتصر محافظات أخرى كجرش على لواء واحد، وعجلون ومأدبا والعقبة على لواءين، مما يعكس خللاً تنظيمياً وغياباً للعدالة في توزيع نطاق الإشراف الفعال، ويؤدي إلى استئثار بعض المحافظات بمكتسبات التنمية على حساب أخرى.
إن هذا التباين يؤثر بشكل مباشر على دور البلديات، التي تُعد الأقرب للمواطن والأقدر على تحديد أولويات الخدمات والتنمية المحلية. ففي حين أن البلديات هي أساس الإدارة المحلية، فإن التقسيمات الإدارية الحالية لا تراعي بالضرورة نطاق الإشراف الفعال، وهو مبدأ إداري أساسي يوصي بأن يتراوح عدد الوحدات التابعة للمسؤول الواحد بين خمس وتسع وحدات لضمان الكفاءة والفعالية .
تواجه البلديات في الأردن جملة من التحديات الجوهرية التي تعيق تحقيق أهداف اللامركزية وتمكينها من أداء دورها التنموي المنشود. يمكن إيجاز هذه التحديات في ثلاثة محاور رئيسية:
1.التحديات المالية: تعاني البلديات من ارتفاع مديونيتها، فقد بلغ إجمالي المديونية المتبقية على البلديات مع بداية عام 2026 نحو 285 مليون دينار بعد تنفيذ برنامج حكومي لإعادة الهيكلة المالية، شمل إعفاءات وجدولة الديون على مدد طويلة. في المقابل، ما تزال البلديات تعاني من فجوة تمويلية واضحة، إذ لم يتم حتى تاريخه الإعلان عن حجم ما تم تحويله فعلياً من مستحقاتها من عوائد المحروقات لعام 2026، رغم النص القانوني الذي يخصص لها نسبة (50%) من هذه العوائد، الأمر الذي يعكس استمرار التحدي في اللامركزية المالية. هذا النقص في التمويل يحد من قدرة البلديات على تنفيذ مشاريعها التنموية والخدمية.
2.ضعف القدرات البشرية: تتأثر البلديات بضغوط التعيينات التي لا ترتبط بالاحتياجات الوظيفية الفعلية، مما يؤدي إلى ضعف في الكفاءات وعدم توفر الخبرات اللازمة في مجالات التنمية والشراكة مع القطاع الخاص. إن غياب وحدات تنموية متخصصة ورفدها بالكفاءات المؤهلة يعيق قدرة البلديات على التخطيط الاستراتيجي وتنفيذ المشاريع بفعالية.
3.القصور التشريعي: يتضمن قانون الإدارة المحلية الحالي أكثر من 50 مادة تتطلب موافقة وزير الإدارة المحلية على كافة التنسيبات، مما يبطئ من فعالية العمل البلدي ويتنافى مع جوهر اللامركزية. كما أن هناك تشابهاً وتكراراً وضبابية في الأدوار بين مجلس المحافظة والمجلس التنفيذي والمجلس البلدي، بالإضافة إلى حصر تنفيذ المشاريع برأي المجلس التنفيذي الذي يرأسه الحاكم الإداري، دون إعطاء رئيس البلدية حق التصويت أو العضوية الكاملة. يضاف إلى ذلك غموض آلية تحديد وضمان توفير الموازنات المالية للبلديات حسب حجم العمل لديها.
إن استشراف المستقبل يتطلب منا النظر إلى التجارب الدولية الرائدة في مجال الإدارة المحلية واللامركزية، والتي تقدم نماذج ناجحة يمكن الاستفادة منها في السياق الأردني: يمكن عرض بعضا من هذه التجارب على النحو التالي:
أولا: الاستقلالية المالية: تعتمد البلديات في دول مثل السويد وفنلندا على استقلالية مالية واسعة، حيث تمنح صلاحية فرض ضرائب محلية (مثل ضريبة الدخل المحلية) وتدير قطاعات حيوية كالتعليم والصحة. كما أن تنويع مصادر الدخل من خلال ضرائب العقارات ورسوم الخدمات وحصة ثابتة ومضمونة من الضرائب الوطنية يعزز من استدامتها المالية.
ثانيا: الوصاية الإدارية لا السلطة الرئاسية: في النموذج الفرنسي، يمارس ممثل الدولة دور "الوصاية الإدارية"، أي الرقابة اللاحقة على مشروعية القرارات، وليس "السلطة الرئاسية” التي تتطلب موافقة مسبقة على كل تفصيل. هذا يضمن التوازن بين وحدة الدولة واستقلال الهيئات المحلية، ويحفز البلديات على اتخاذ قراراتها بمسؤولية.
ثالثا: التقسيمات الإدارية الفعالة: تعتمد الدول المتقدمة على معايير واضحة وموضوعية للتقسيمات الإدارية تأخذ في الاعتبار الكثافة السكانية، المساحة الجغرافية، والإمكانات التنموية، لضمان توزيع عادل للموارد والخدمات. كما أن تحديد نطاق إشراف فعال يضمن كفاءة الإدارة والتنسيق .
رابعا: الشراكة مع القطاع الخاص: تستخدم العديد من الدول نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، مثل عقود البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT)، لتنفيذ مشاريع البنية التحتية والخدمات دون إثقال كاهل الموازنات المحلية.
خامسا: بناء القدرات وتأهيل الكوادر: تركز التجارب الناجحة على ربط التعيينات بالكفاءة والاحتياج الفعلي، وتطوير أنظمة موارد بشرية مستقلة للبلديات، وتوفير التدريب المستمر لرفع مستوى الأداء الفني والإداري.
رؤية تطويرية مقترحة للإدارة المحلية في الأردن
بناءً على تحليل الواقع واستلهاماً من أفضل الممارسات الدولية، نقترح رؤية تطويرية شاملة للإدارة المحلية في الأردن، ترتكز على المحاور التالية:
1.إعادة هندسة التقسيمات الإدارية: تشكيل فريق خبراء لإجراء دراسة علمية معمقة لوضع معايير عادلة ومرجعية لمراجعة التقسيمات الإدارية الحالية. يجب أن تأخذ هذه المعايير في الاعتبار الكثافة السكانية، المساحة، الاحتياجات التنموية، ونطاق الإشراف الفعال، مع النظر في إمكانية استحداث محافظات أو أقاليم تنموية جديدة لتعزيز التنمية المتوازنة. يمكن أن يتبع كل إقليم عدد من المحافظات، ويرتبط رئيس الإقليم بمجلس الوزراء، مع نقل صلاحيات محددة من مجلس الوزراء أو الوزراء المعنيين لاتخاذ القرارات المتعلقة بالخدمات الحكومية والتنموية.
2.إصلاح الإطار التشريعي: إعادة النظر في قانون الإدارة المحلية وكافة القوانين والأنظمة ذات العلاقة، بمشاركة واسعة من كافة المعنيين. الهدف هو تحديد الأدوار بوضوح بين البلديات والإدارة المركزية، بحيث تقوم العلاقة على أساس الوصاية الإدارية (الرقابة اللاحقة على مشروعية القرارات) وليس السلطة الرئاسية (الموافقة المسبقة). يجب منح استقلال حقيقي وواقعي للوحدات الإدارية على مستوى المجالس المحلية لتمكينها من تقديم الخدمات العامة وإدارة المرافق المحلية، مع ضرورة إلغاء مجالس المحافظات لتبسيط الهيكل الإداري.
3.تعزيز الاستقلالية المالية: اعتماد آليات واضحة لضمان صرف كامل المخصصات المالية للبلديات، مثل نسبة عوائد المحروقات. يجب دراسة تنويع مصادر الدخل للبلديات، بما في ذلك صلاحية فرض ضرائب محلية على العقارات والخدمات، واستكشاف نماذج الشراكة مع القطاع الخاص (PPP) لتمويل وتنفيذ المشاريع التنموية الكبرى. كما يجب تقييم درجة الاستفادة من الميزة التنافسية للبلديات وتكاملية الموارد والخبرات المتاحة، وتطوير أوجه الدعم من المانحين الدوليين.
4.تطوير القدرات البشرية والحوكمة: منح البلديات الصلاحيات اللازمة لاستقطاب الكفاءات وتسعير الوظائف بناءً على الوصف والمواصفات الوظيفية. يجب استحداث وحدات إدارية متخصصة بالتنمية والشراكة مع القطاع الخاص ومتابعة المشاريع في المحافظة/الإقليم، ورفدها بذوي الخبرات المؤهلة. كما يجب تطوير نظام خاص للموارد البشرية للعاملين في البلديات يتواءم مع متطلبات التحديث الإداري، وتقييم أداء المجالس البلدية بناءً على نماذج معيارية معتمدة، وربط نتائج التقييم بالدعم والتوجيه الحكومي والموازنات المالية المستقبلية.
5.نقل المهام والصلاحيات تدريجياً: دراسة إمكانية نقل تنفيذ بعض المهام و/أو تقديم الخدمات بشكل تدريجي من بعض الوزارات الخدمية إلى البلديات، مثل خدمات المياه والكهرباء والصحة والنقل، استناداً إلى الممارسات الدولية الناجحة التي أثبتت كفاءة الإدارة المحلية في هذه القطاعات.
إن تحقيق رؤية الأردن في التحديث الشامل يتطلب منظومة إدارة محلية قوية، مستقلة، وفعالة. إن تبني هذه الرؤية التطويرية المقترحة، المستندة إلى أفضل الممارسات الدولية والتحليل الدقيق للواقع، سيمكن البلديات من التحول من مجرد مقدم خدمات تقليدي إلى محرك حقيقي للتنمية المحلية، وشريك استراتيجي في بناء مستقبل مزدهر للمملكة، يعزز من مشاركة المواطنين ويسهم في تحقيق العدالة التنموية بين كافة مناطق الوطن.
* أمين عام وزارة تطوير القطاع العام سابقا.


تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions