د. وليد العريض يكتب: في مديح الشرفاء… حين تضيق المعاني وتتسع المواقف
نبأ الأردن -
في زمنٍ تتبدّل فيه المقاييس وتُخلع فيه القيم كما تُخلع المعاطف عند أول دفءٍ زائف، يصبح الحديث عن الشرف ضرورة لا ترفًا، لأن الإنسان لا يُقاس بما يملك بل بما يثبت عليه حين تتعرّى المواقف وتختلط الأصوات، فلا يعود الصادق يُعرف من الصاخب، ولا النبيل من المتلوّن.
إن الخصومة في أصلها ليست عيبًا، فالاختلاف طبيعة البشر، وتباين الرؤى سنّة الحياة، لكن العيب أن تتحوّل الخصومة إلى ساحة يُغتال فيها الشرف، وتُستباح فيها القيم، ويُستدعى فيها القول القبيح ليغطي ضعف الحجة وعجز الموقف، عندها لا نكون أمام خلاف، بل أمام سقوطٍ أخلاقي كامل.
ولهذا كان الشرفاء قلّة، لا لأنهم عاجزون عن السقوط، بل لأنهم اختاروا الارتفاع، هم الذين إذا اختلفوا معك لم يُنكروا فضلك، وإذا خاصموك لم يهدموا قدرك، وإذا نازعوك الرأي لم ينزعوا عنك إنسانيتك، يقفون في الجهة الأخرى، لكنهم لا يطلقون النار على القيم، ولا يلوّثون ساحة الخلاف بما لا يليق بمقام الرجال.
فاحفظوا هؤلاء ولو كانوا خصومكم، لأنهم في لحظة الحقيقة ليسوا ضدكم، بل ضد السقوط ذاته، وهم حين تختلف معهم تشعر أن الخلاف يرفعك ولا يبتذلك، وأن النقاش معهم يضيف إليك ولا ينقص منك، وأنهم مهما اشتدّ النزاع يتركون باب الكرامة مفتوحًا.
ولا تغترّوا بالسفهاء وإن وقفوا معكم، لأن السفيه لا يكون وفيًّا حتى لنفسه، فكيف يكون وفيًّا لغيره، يصفّق اليوم لأنه وجد فيكم منفعة، وينقلب غدًا لأنه وجد مصلحة، لا عهد له يُحفظ، ولا مبدأ يُنتظر.
والفرق بين الشريف والسفيه لا يظهر في لحظات الاتفاق، بل في ساعات الاختبار، حين يضيق المجال وتشتد الحاجة، عندها ينكشف المعدن، فالشريف ينتصر دون أن يخسر نفسه، والسفيه ينتصر وهو في الحقيقة يخسر كل شيء.
إن الشريف حين تحتاج إليه، لا يسألك عن ماضي الخلاف، ولا يذكّرك بحدة الكلمات، بل يأتيك كما تأتي النجدة، لأنه لا يرى في إنقاذك فضلًا عليك، بل وفاءً لقيمة يؤمن بها، أما السفيه فيمنحك دعمه وهو يعدّ عليك خطواتك، ويبتسم لك وهو يُخفي ما لا يُقال.
وهنا تتجلّى الحقيقة، أن الشرف ليس موقفًا عابرًا، بل طبيعة راسخة، لا تتبدّل بتبدّل المصالح، ولا تتلوّن بتغيّر الظروف، يظهر في القول كما في الصمت، وفي الخصومة كما في الوفاء.
فلا تفرحوا بكثرة من حولكم، بل تأمّلوا قيمتهم، ولا تفرحوا بمن يوافقكم دائمًا، بل بمن يحفظ قدركم حتى حين يخالفكم، ولا تخسروا رجلًا شريفًا لأنكم انخدعتم بصخبٍ عابر.
في زمنٍ صار فيه الضجيج بديلًا عن المعنى، والكثرة بديلًا عن القيمة، يبقى الشرفاء وحدهم الميزان الذي لا يختل، والرجال الذين إذا خاصموا ارتفع الخلاف، وإذا حضروا ارتفعت الأخلاق، وإذا احتاجهم الموقف كانوا أول الحاضرين دون أن يلوّثوا حضورهم بما لا يليق.
وهؤلاء، وإن قلّوا، هم الذين يُبقي بهم الله المعنى حيًا، وهم الذين يجعلون من الخصومة درسًا في النبل، لا ساحةً للسقوط، فتمسّكوا بهم ولو كانوا خصومكم، واحذروا أن تستبدلوهم بضجيج السفهاء، لأن من يخسر الشريف، يخسر ميزان الكرامة كله.


























