الرفاعي من معهد السياسة والمجتمع: إسرائيل مشروع هيمنة يسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة على حساب الاستقرار العربيّ
نبأ الأردن -
أكد رئيس الوزراء الأسبق سمير الرفاعي أن الأولوية الأردنية في ظل التحولات الإقليمية الراهنة يجب أن تبقى محسومة بلا تردد: "الأردن أولاً، والأردن أخيراً، والأردن دائماً وأبداً”، مشدداً على أن صون الدولة الأردنية، وحماية مؤسساتها، والحفاظ على استقرارها، يمثل الأساس الذي يُبنى عليه أي دور أردني في الدفاع عن القضايا العربية العادلة أو الانخراط في التفاعلات الإقليمية والدولي داعياً إلى التوازن في قراءة الصراع، محذراً من الوقوع في وهمين متقابلين؛ الأول يتمثل في تبرئة المشروع الإيراني أو التغاضي عن ممارساته باسم القضية الفلسطينية، والثاني يتمثل في تجاهل طبيعة المشروع الإسرائيلي وخطورته بذريعة مواجهة إيران، مؤكداً أن كلا الوهمين يقود إلى قراءة قاصرة لا تعكس حقيقة الصراع وتعقيداته.
جاء ذلك خلال لقاء حواري في معهد السياسة والمجتمع، ضمن سلسلة جلسات مشروع جيل التحديث، بعنوان: "الحرب الإقليمية الراهنة والأمن القومي الأردني: الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران”، بحضور نخبة من الباحثين والخبراء والمهتمين والشباب.
وأشار الرفاعي في مستهل حديثه إلى أن ما يعيشه الإقليم اليوم لا يجوز قراءته بوصفه صراعاً دينياً خالصاً، ولا باعتباره مواجهة أخلاقية مبسطة بين معسكرات الخير والشر، مشيراً أنّه صراع نفوذ وهيمنة وتوازنات، تتداخل فيه مشاريع متعددة، لكل منها حساباته ومخاوفه وأدواته، وهو ما يستدعي قراءة سياسية رصينة تنطلق من منطق الدولة والمصلحة، لا من منطق التعبئة والاصطفاف العاطفي.
وشدد على أن هذه المقاربة تمثل المدخل الأساسي لفهم تعقيدات المشهد الإقليمي، مؤكداً أن اختزال الصراع أو تبسيطه يؤدي إلى إضعاف القدرة على التعامل معه، وإلى الوقوع في قراءات منحازة أو غير دقيقة، لا تخدم المصالح الوطنية للدول، وفي مقدمتها الأردن.
وأكد أن المشروع الإسرائيلي، في صورته الراهنة تحت هيمنة اليمين القومي والديني المتطرف، يمثل تهديداً بالغ الخطورة على مجمل البنية الإقليمية، مشيراً إلى أن هذا المشروع لم يعد يكتفي بإدارة الاحتلال، بل يسعى إلى إعادة صياغة الوقائع السياسية والديموغرافية والجغرافية، بما يقوض فرص التسوية السياسية، ويدفع نحو تصفية حل الدولتين.
وأضاف أن هذا المسار يفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة، من بينها الدفع باتجاه تهجير الفلسطينيين، وخلق وقائع قد تنعكس بشكل مباشر على الأردن، سواء على المستوى السياسي أو الأمني أو الديموغرافي، وهو ما يجعل من هذه التطورات مسألة تمس الأمن الوطني الأردني بشكل مباشر.
وفي هذا الإطار، شدد الرفاعي على أن الضفة الغربية لم تعد مجرد ملف تضامن سياسي أو إنساني، بل باتت قضية أمن وطني أردني مباشر، في ظل المخاطر المتزايدة المرتبطة بتهجير السكان أو تفريغ الأرض من مضمونها السياسي، الأمر الذي يفرض على الأردن إبقاء هذا الملف في صلب تفكيره الاستراتيجي والدبلوماسي.
وأكد أن حماية الضفة الغربية، ومنع أي مسار يقود إلى تهجير الفلسطينيين أو تقويض فرص إقامة دولتهم المستقلة، يجب أن تبقى أولوية أردنية، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من حماية الأمن الوطني الأردني واستقرار المنطقة.
وفي المقابل، أوضح الرفاعي أن إيران لا يمكن فهمها من خلال اختزالها في بعدها الديني أو المذهبي، بل يجب النظر إليها باعتبارها دولة مشروع سياسي، تمتلك رؤية واضحة لمصالحها وأهدافها، وتتحرك في الإقليم بمنطق القوة والنفوذ.
وأشار إلى أن إيران استخدمت الدين والمذهب في مراحل مختلفة كأدوات تعبئة ووسائل نفوذ، لكنها لم تتحرك في الإقليم بوحي مذهبي صرف، بل وفق حسابات دقيقة تغلب مصلحة الدولة على أي اعتبارات أخرى، وهو ما يتطلب قراءة سلوكها السياسي ضمن هذا الإطار.
وأضاف أن اختزال إيران في كونها دولة دينية فقط يمثل خطأ تحليلياً شائعاً، إذ إن سلوكها يعكس براغماتية سياسية واضحة، تستخدم فيها الأيديولوجيا حين تخدم أهدافها، وتؤجلها أو تتجاهلها حين لا تتوافق مع مصالحها.
وتناول الرفاعي التحولات التي شهدها الإقليم منذ عام 2003، مشيراً إلى أن احتلال العراق شكل نقطة تحول مفصلية أدت إلى اختلال عميق في النظام الإقليمي العربي، ما أتاح لإيران فرصاً استثنائية للتمدد والتغلغل في عدد من الساحات العربية، بما في ذلك العراق وسوريا ولبنان واليمن.
وأوضح أن هذا التمدد مكّن إيران من بناء شبكة نفوذ واسعة وأوراق ضغط متعددة، لكنه في الوقت ذاته كان مكلفاً على عدة مستويات، سواء من حيث استنزاف الموارد الإيرانية، أو من حيث تأثيره على استقرار الدول العربية، وإضعاف مؤسسات الدولة الوطنية، وتعزيز منطق الميليشيات والهويات الفرعية.
وأشار إلى أن هذا المسار انعكس أيضاً سلباً على الشعب الإيراني نفسه، الذي تحمل أعباء هذا التمدد على حساب أولوياته التنموية والاقتصادية، ما يبرز طبيعة المفاضلات التي تقوم بها الدولة الإيرانية في إدارة سياساتها الإقليمية.
وفي سياق تحليل طبيعة العلاقات الإقليمية، أكد الرفاعي أن الدول لا تتحرك وفقاً لمنطق المشاعر أو الوفاء الأخلاقي، بل وفقاً لحسابات المصلحة وتقدير الضرورة، وهو ما يظهر بوضوح في العلاقات الإيرانية مع عدد من الدول، بما في ذلك روسيا وتركيا.
وأوضح أن هذه العلاقات، رغم ما شهدته من توترات تاريخية، شهدت مستويات من التنسيق والتفاهم عندما تقاطعت المصالح، ما يعكس الطبيعة البراغماتية للسياسة الدولية، ويؤكد أن التحالفات تبنى على أساس المصالح لا على أساس الانسجام الأيديولوجي.
وأضاف أن إيران ليست جمعية خيرية، وليست دولة تحكمها العاطفة، بل دولة مصلحة بامتياز، وهو ما يفسر طبيعة تحركاتها وسلوكها في الإقليم.
كما أشار إلى أن إيران لم تدخل في مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل إلا في سياقات محدودة مرتبطة بالحفاظ على هيبتها، ما يعكس طبيعة حساباتها الدقيقة في إدارة الصراع، بعيداً عن الخطاب الدعائي أو الشعارات.
وعلى الصعيد الداخلي، حذر الرفاعي من مخاطر الاستقطاب والانقسام المجتمعي، مشيراً إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت، في كثير من الأحيان، في تعميق الانقسامات، وتغذية خطاب التخوين والتبسيط، ما يضعف مناعة المجتمعات ويخدم المشاريع التي تستفيد من تفكك الدول.
وأكد أن حماية الوعي، وتعزيز لغة العقل، والتمييز بين الرأي والتحريض، لم تعد قضايا ثقافية ثانوية، بل أصبحت جزءاً من متطلبات الأمن السياسي والاجتماعي.
وفي ما يتعلق بالموقف الأردني، شدد الرفاعي على أن القرار الأردني لا يُصنع تحت ضغط الانفعال أو الهتاف أو المزايدات، بل يُبنى في مؤسسات الدولة، وفي دوائر التقدير الاستراتيجي، استناداً إلى خبرة طويلة ومتراكمة في التعامل مع أزمات المنطقة.
وأشار إلى أن هذا النهج كان أحد أسباب قدرة الأردن على الحفاظ على استقراره وتوازنه، وتفادي العديد من الانزلاقات التي شهدتها دول أخرى في المنطقة.
وأكد أن الأردن يجب أن يبقى ثابتاً في موقعه بين المشاريع المتنافسة، دولةً تعرف مصالحها، وتحمي سيادتها، وترفض أن تكون ساحة لتصفية الحسابات أو ميداناً للفوضى.
كما شدد على أهمية الحفاظ على الثقة الدولية التي راكمها الأردن عبر عقود، معتبراً إياها أحد أهم عناصر قوته، ورافعة لدوره الإقليمي والدولي، إلى جانب ضرورة تعزيز علاقاته العربية، والانخراط في بيئة إقليمية أكثر استقراراً.
وأشار إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب اعتماداً أكبر على الذات، وتعزيز التكامل العربي، وفتح آفاق التعاون الاقتصادي والأمني بين الدول العربية، بما يحقق مصلحة جماعية في مواجهة التحديات المشتركة.
وفي ختام حديثه، أكد الرفاعي أن الأردن اليوم أمام واجب الوعي وضرورة التماسك، وأمام استحقاق حماية الدولة وتثبيت البوصلة، مشدداً على أن الالتفاف حول الدولة الأردنية، والقيادة الهاشمية، والثقة بمؤسسات القرار، يشكل أحد أهم شروط المنعة السياسية في هذه المرحلة الدقيقة.
وأضاف أن الأردن لم يُبنَ صدفة، ولم يتشكل بالشعارات، بل بوعي الدولة، وبالتضحيات، وبالعرق والدم، وبحكمة القيادة، وبوفاء المجتمع، وهو ما يفرض مسؤولية جماعية للحفاظ عليه وتعزيز استقراره.
وأكد أن قوة الأردن واستمراره في أداء دوره الإقليمي تتطلب الحفاظ على وحدته الداخلية، وتعزيز ثقته بنفسه، والاستمرار في تبني نهج الاعتدال والعقلانية في التعامل مع التحديات.
وختم بالتأكيد على أن المرحلة القادمة لا تحتمل التردد أو الانقسام، بل تتطلب وضوحاً في البوصلة، وثباتاً في الموقف، ووعياً سياسياً عميقاً، يضع مصلحة الأردن فوق كل اعتبار، ويعزز قدرته على مواجهة التحديات في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
يذكر أن معهد السياسة والمجتمع هو مؤسسة تفكير أردنية مستقلة تعمل وفق نموذج "Think & Do”، وتسعى إلى الربط بين التحليل الأكاديمي والممارسة التطبيقية في مجالات السياسات العامة والتحول السياسي، على المستويين الوطني والإقليمي. ويعمل المعهد على إنتاج المعرفة وتعزيز الحوار السياسي المستند إلى الأدلة، من خلال برامج بحثية وتدريبية ومنصات نقاش تجمع صنّاع القرار والباحثين والشباب من الأردن والمنطقة. كما يركّز على بناء شراكات فاعلة مع مؤسسات إقليمية ودولية تُعنى بشؤون الشرق الأوسط، ويسهم في تطوير نقاشات عابرة للحدود حول قضايا الإصلاح السياسي، والاستقرار الإقليمي، والتحولات الجيوسياسية، ما يعزّز حضوره كمنصة فكرية مؤثرة في الأردن والمنطقة.
وتالياً نص ما جاء في حديثه:
لقاء (الحرب الإقليمية الراهنة والأمن القومي الأردني.. الحرب الأمريكية – الاسرائيلية على إيران)
الاثنين 30 آذار 2026
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على النبي العربي الهاشمي الأمين
مساء الخير جميعا، اسمحوا لي أولا أن أشكر معالي الدكتور محمد أبو رمان، على استضافتنا اليوم في معهد السياسة والمجتمع، كما أشكر فريق المعهد على التنظيم وهذه الدعوة الكريمة. ويشرفني أن أقف بين هذا الجمع الطيب لنتحاور عن الحرب الإقليمية الراهنة والأمن القومي الأردني.
ما يجري في الإقليم اليوم، لا يجوز قراءته بوصفه صراعاً دينياً خالصاً، ولا مواجهة بسيطة بين معسكر خير ومعسكر شر، ولا باعتباره اختباراً أخلاقياً سطحياً يُقسم فيه الفاعلون إلى مؤيدين للحق أو خصوم له بصورة مطلقة.
الحقيقة الأعمق أن المنطقة تواجه تصادماً حاداً بين مشاريع قوة ونفوذ، تتداخل فيها اعتبارات الأمن، والمجال الحيوي، والإرث التاريخي، والتنافس على الهيمنة، وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. ومن هنا، فإن أي قراءة لا بد أن تبدأ من منطق الدولة والمصلحة، لا من منطق التعبئة والاصطفاف العاطفي. وسأبدأ بالحديث عن المشروع الإيراني وثم أنتقل بعدها للمشروع الإسرائيلي.
أولاً: إيران دولة مشروع سياسي، لا مجرد دولة خطاب ديني
من الخطأ الشائع اختزال إيران في تعريف واحد يقدمها بوصفها دولة دينية فحسب؛ فإيران، في جوهر سلوكها الاستراتيجي، دولة سياسية مركزية في الإقليم، ذات إدراك متماسك لموقعها، وثقلها، وطموحاتها.
وهي، قبل أن تكون نظاماً أيديولوجياً، دولة ذات تقاليد قديمة، ما زالت آثارها حاضرة بدرجات مختلفة في تصورها لدورها الإقليمي وفي تعريفها لمجالها الحيوي.
استخدمت إيران الدين والمذهب، في مراحل متعددة، بوصفهما أدوات تعبئة، ووسائل اختراق، وروافع نفوذ، لكنها لم تتحرك في الإقليم بوحي مذهبي صرف، ولا انطلاقاً من مشروع ديني خالص. والدليل؛ أن إيران التي تعد نفسها قائدة العالم الإسلامي الشيعي، في عام 1992 – 1993 وقفت مع أرمينيا ذات الأغلبية المسيحية في صراعها ضد أذربيجان ذات الأغلبية الشيعية الإثني عشرية، لأن مصالح الدولة الإيرانية فوق المذاهب والمشاعرِ، وهي نتاج حسابات دقيقة تغلب مصلحة النظام الإيراني على أي اعتبار آخر.
إذن؛ المذهب، في كثير من الحالات، كان أداة من أدوات الحركة، لا الغاية النهائية لها. أمّا الغاية الأعمق فتمثلت في توسيع النفوذ، وإعادة إنتاج الحضور الإيراني في المجال العربي والإقليمي، وبناء شبكة تأثير تمكّنها من أن تكون فاعلاً مقرراً في قضايا المنطقة ومساراتها.
ولهذا، فإن المقاربة الأدق لإيران ليست باعتبارها "دولة عقيدة” فحسب، بل باعتبارها دولة مشروع سياسي تستخدم العقيدة حين تفيدها، وتؤجلها أو حتى تتجاهلها، حين لا تخدم حساباتها.
ثانياً: ما بعد 2003 وتضخم المجال الإيراني
منذ احتلال العراق عام 2003، دخل النظام الإقليمي العربي طوراً من الاختلال العميق، أتاح لإيران فرصاً استثنائية للتمدد والتغلغلِ.
وقد استغلت إيران لحظة التصدع العربي، فوسعت نفوذها في لبنان ثم سوريا واليمن والعراق، وسعت إلى بناء بؤر تأثير وشبكات اتصال وامتدادات متفاوتة في أكثر من ساحة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
غير أن هذا التمدد، على الرغم مما وفره لإيران من أوراق تفاوض وأدوات ضغط، لم يكن مساراً بلا كلفة.
لقد كان مكلفاً على المنطقة العربية من حيث إضعاف الدولة الوطنية، وتفكيك المجال العام، وتغذية الاستقطابات الحادة، وتكريس منطق الميليشيات والهويات الفرعية.
وكان مكلفاً على إيران نفسها من حيث الاستنزاف المالي والسياسي والأمني، ومن حيث تحميلها أعباء تمدد يتجاوز أحياناً قدرتها على التثبيت طويل المدى. كما انعكس سلباً على مصلحة الشعب الإيراني نفسه وطموحه وحقه بالتنمية والتحديث والاستقرار والرفاه، لصالح دعم المليشيات وتسليحها واستنزاف موازنة وإمكانيات الدولة.
ومن هنا، فإن الحديث عن هذا المسار بلغة التحرر أو الرسالية أو الوفاء لقضايا الأمة يتجاهل البعد الأكثر وضوحاً فيه؛ إنه، في جوهره، مسار نفوذ كلاسيكي، تتحرك فيه الدولة الإيرانية بمنطق القوة، والفرص، وتراكم الأوراق، لا بمنطق المبادئ المجردة.
ثالثاً: في الإقليم، المصالح تتقدم على الذاكرة والشعارات
إحدى الحقائق الأساسية في السياسة الدولية والإقليمية أن الدول لا تتحرك وفقاً لمنطق المشاعر، ولا تبني تموضعاتها على الثقة المجردة، بل على تقاطع المصالح وتغير موازين القوى. وفي الحالة الإيرانية، تبدو هذه الحقيقة واضحة بجلاء.
فإيران لا تنسج علاقاتها على أساس الوفاء الأخلاقي، ولا على قاعدة الانسجام الأيديولوجي الدائم، بل على أساس حساب المصلحة، وقياس المكسب، وتقدير الضرورة.
العلاقة مع روسيا تقدم مثالاً بالغ الدلالة، فالتاريخ بين الطرفين لم يكن تاريخ ثقة مستقرة، بل تاريخ قلق وتوجس وتباين في محطات عديدة، وسبق لروسيا أن احتلت أجزاءً من إيران بعد الحرب العالمية الأولى، ولا ينسى الإيرانيون أن روسيا دعمت عراق صدام حسين خلال الحرب العراقية الإيرانية. ومع ذلك، حين التقت الأجندتان في سوريا، نشأ قدر عال من التنسيق والتكامل الميداني والسياسي.
هذا النظام اتهمته الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وانتهاكات واسعة ضد السوريين؛ وإيران كانت شريكاً رئيسياً في إنقاذه وحمايته.
ورغم أن وجودها كان على مسافة قريبة من إسرائيل داخل سوريا لسنوات، فإنها تجنبت هجوماً دولياً مباشراً على إسرائيل إلى أن جاءت ضربة المجمع الدبلوماسي الإيراني في دمشق في نيسان/أبريل 2024.
وكذلك العلاقة مع تركيا؛ فرغم قرون من الصراع والتنافس بين المجالين الصفوي والعثماني، ثم التركي والإيراني في صيغتهما الحديثة، لم يمنع ذلك الطرفين من تطوير مستويات مرتفعة من التنسيق والتبادل والتفاهم المرحلي كلما اقتضت المصالح ذلك، وانعكس ذلك على التبادل التجاري والاقتصادي بين البلدين إذ يعد الأعلى بالنسبة لإيران، كما ينسق الطرفان ويتفقان بوضوح في ملفات عديدة ومن ضمنها الملف الكردي على سبيل المثال.
هذا كله يعيد التذكير بحقيقة مركزية؛ إيران ليست جمعية خيرية، وليست دولة تحكمها العاطفة، بل دولة مصلحة بامتياز. ومن الخطأ الكبير أن تقرأ مواقفها الإقليمية باعتبارها امتدادات طبيعية للتضامن أو الوفاء أو الاصطفاف المبدئي الثابت.
رابعاً: الاختزال الأخلاقي للصراع يضر بالفهم
ذلك أن الصراع القائم هو، في أحد أعمق مستوياته، صراع نفوذ وهيمنة وتوازنات، تتداخل فيه مشاريع متعددة، لكل منها حساباته ومخاوفه وأهدافه وأدواته.
وهذا لا يعني نفي البعد الأخلاقي عن بعض القضايا، ولا التقليل من مركزية القضية الفلسطينية، بل يعني فقط؛ أن القراءة السياسية الجادة ينبغي أن تميز بين القضية العادلة وبين الاستثمار السياسي في هذه القضية.
إن فلسطين ليست ورقة دعائية، وليست شعاراً للتوظيف، وليست رخصة مفتوحة لأي قوة كي تعيد تقديم نفسها أخلاقياً من خلالها.
خامساً: المشروع الإسرائيلي لا يقل خطورة، بل يبقى التهديد الأشد اتصالاً بمصير المنطقة
في المقابل، فإن نقد المشروع الإيراني، أو تفكيك منطقه، لا ينبغي أن يتحول إلى غفلة عن طبيعة المشروع الإسرائيلي.
فإسرائيل، في صورتها الراهنة تحت هيمنة اليمين القومي والديني المتطرف، تمثل مشروعاً بالغ الخطورة على مجمل البنية الإقليمية.
هذا المشروع لم يكتفِ بقتل وإبادة الأبرياء في غزة ولا يكتفي بإدارة الاحتلال، بل يسعى إلى إعادة صياغة الوقائع السياسية والديموغرافية والجغرافية على نحو يجعل من تصفية حل الدولتين احتمالاً قائماً، ومن تقويض فرص التسوية مساراً مقصوداً، ومن نقل أعباء الصراع إلى المحيط العربي هدفاً باطنياً أو معلناً في بعض الأحيان ويشي برغبته في تفكيك الدول العربية وإضعافها.
وعليه، فإن التوازن في القراءة يقتضي رفض الوهمين معاً: وهم تبرئة المشروع الإيراني باسم فلسطين، ووهم التغاضي عن المشروع الإسرائيلي باسم مواجهة إيران. فالمنطقة لا تحتمل قراءة عمياء من أي جهة، ولا نجاة لها بالارتهان لأحد المشروعين.
سادساً: خطر التفكك الداخلي
الاضطراب القائم لا يهدد الجغرافيا والسياسة فحسب، بل يهدد أيضا البنية النفسية والرمزية للمجتمعات العربية.
لقد أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي، على نحو بالغ السلبية في أحيان كثيرة، في تعميق الانقسامات، وتغذية الاستقطاب، وتحويل المجال العام إلى ساحة اتهام متبادل وتخوين وتبسيط وردود فعل متشنجة.
وهذا الانقسام الداخلي، في لحظات الأزمات الكبرى، يعد مكسباً مباشراً لكل المشاريع التي تستفيد من ضعف العرب وتفككهم وتآكل ثقتهم بدولهم ومجتمعاتهم ومؤسساتهم.
ومن هنا فإن حماية الوعي، وإعادة الاعتبار للغة العقل، والتمييز بين الرأي والتحريض، لم تعد مسائل ثقافية ثانوية، بل أصبحت من مقتضيات الأمن السياسي والاجتماعي.
سابعا: الضفة الغربية ليست ملف تضامن فقط، بل قضية أمن وطني أردني مباشر
إذا كانت هناك أولوية أردنية ملحة في هذه المرحلة، فعلى رأسها حماية الضفة الغربية من أي مسار يقود إلى التهجير، أو التفريغ، أو تدمير ما تبقى من الأفق السياسي للحل.
ذلك أن المساس بالضفة الغربية ليس شأنا فلسطينيا بعيدا عن الأردن، بل مسألة تمس مباشرة الأمن الوطني الأردني، والتوازنات الداخلية، ومستقبل القضية الفلسطينية في آن واحد.
والحفاظ على القضية الفلسطينية، وحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني هو حق دافع عنه الأردن دائما كجزء أساس من دفاعه عن قضايا الأمة العادلة، وقد رفض الأردن دائما محاولات ابتلاع اراضي الضفة الغربية المحتلة أو تهجير أهلها والقضاء على فرص الحل العادل والشامل.
واليوم بات من الممكن أن تستثمر الحكومة الإسرائيلية المتطرفة، بقيادة نتنياهو وتحالفاته الأكثر تشدداً، اللحظة الإقليمية المضطربة لكي تمضي في مخططها للقضاء النهائي على حل الدولتين، وخلق وقائع تجعل من تهجير الفلسطينيين إلى الأردن ودول الطوق احتمالاً سياسياً أو ديموغرافياً أو أمنياً قائماً، وهذا أمر مرفوض أردنيا جملة وتفصيلا.
ولهذا، فإن حماية الضفة الغربية، ومنع تهجير أهلها، ومنع تصفية فكرتها السياسية، يجب أن تبقى في صلب التفكير الأردني، وفي مركز التخطيط الدبلوماسي والاستراتيجي للدولة.
الخلاصة الجوهرية أن ما يعيشه الإقليم اليوم لا يقرأ بلغة التعبئة ولا بسطحية الاصطفافات الرقمية، بل بعين الدولة، وبعقل الاستراتيجية، وبمعرفة أن المنطقة عالقة بين مشاريع قوة متنافسة، لكل منها منطقه وأدواته وأطماعه.
وإسرائيل ليست مجرد دولة طبيعية في نزاع حدودي، بل مشروع هيمنة يسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة على حساب الاستقرار العربي الأوسع.
إيران ليست مشروعاً مذهبياً خالصاً، بل مشروع نفوذ سياسي يستخدم الدين حين يفيده.
وبين المشروعين الإيراني والإسرائيلي، لا بد أن يبقى الأردن ثابتاً في موقعه؛ دولة تعرف مصالحها، وتحمي سيادتها، وتدافع عن استقرارها، وتتمسك بمبادئها، وترفض أن تكون ساحة للفوضى أو ميداناً لتصفية الحسابات.
ثامنا: الأردن، البوصلة يجب أن تبقى واضحة والثقة بالدولة ليست انحيازا عاطفيا
في ظل هذا المشهد المركب والمعقد، لا بد أن تكون الأولوية الأردنية محسومة بلا تردد؛ الأردن أولاً، والأردن أخيراً، والأردن دائماً وأبداً.
هذه العبارة ليست شعاراً انغلاقياً، وليست انسحاباً من الالتزام القومي، بل هي التعبير الأكثر مسؤولية عن معنى الدولة حين تواجه بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.
فالأردن لا يستطيع أن يستمر بالدفاع عن الاستقرار العربي والقضايا العربية العادلة، إن لم يصن أولاً استقراره هو، وإن لم يحفظ مؤسساته، وإن لم يحم مجتمعه، وإن لم يبق قادراً على الفعل المتزن في جميع الملفات، ومن ضمنها أيضاً، الملف الاقتصادي.
حيث لا يمكن فصل ما يجري في الإقليم والعالم على تأثيره على الاقتصاد، فالاقتصاد الأردني يتأثر مباشرة بحالة عدم الاستقرار الإقليمي، كما تتأثر جميع دول الإقليم والعالم وعلينا بالتأكيد النظر لجميع الاحتمالات والتخطيط لها.
القرار الأردني لا يصنع تحت ضغط الانفعال، ولا في ظل الهتاف، ولا استجابة للمزايدات، بل يبنى في مؤسسات الدولة، وفي دوائر التقدير الاستراتيجي، وفي القراءة الهادئة للمشهد، وبالاستناد إلى خبرة طويلة ومتراكمة في التعامل مع أزمات المنطقة.
وهذا أحد أسرار قدرة الأردن على الصمود، وعلى تفادي كثير من الانزلاقات التي دفعت أثمانها دول أخرى حين استسلمت للعاطفة أو للوهم أو للفوضى.
ما يحتاجه الأردن في هذه المرحلة هو الثبات على أرض صلبة؛ أرض الشرعية، والاعتدال، والعقل، والمصلحة، والتحالفات الواضحة التي تخدم الدولة ولا تربكها.
الأردن يحتاج إلى إقليم مستقر، وإلى علاقات أعمق وأكثر تماسكاً مع جواره العربي، وفي مقدمة ذلك سوريا والعراق، ومع الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي.
كما يحتاج إلى أن يبقى جزءا موثوقا من السياق الدولي، وأن يحافظ على صورته بوصفه دولة مسؤولة، متزنة، يعتمد على مواقفها، وصاحبة رسالة سياسية وأخلاقية.
فالثقة الدولية التي راكمها الأردن عبر عقود ليست تفصيلاً بروتوكولياً، بل أصل من أصول قوته، وعنصر من عناصر حمايته، ورافعة من روافع دوره.
كما يحتاج، في المرحلة المقبلة، إلى الدفع نحو مزيد من التكامل الاقتصادي، وفتح الأسواق العربية أمام بعضها البعض، وتعزيز البنية الأمنية المشتركة، بما يحقق مصلحة جماعية لا فردية.
والأردن قادر على القيام بهذا الدور في وسطه العربي، ومعني به كامتداد طبيعي لدوره وجهوده وواجبه تجاه أمته وتجاه نفسه.
فالأردن بني عبر عقود طويلة من الجهد والتراكم والصبر والشرعية والعمل المضني، ويجب أن يستمر ويزدهر.
فهذا وطن لم يتشكل صدفة، ولم يبن بالشعارات، بل بوعي الدولة، وبالتضحيات، وبالعرق، والدم وبالإصرار، وبحكمة القيادة، وبوفاء المجتمع، ومن ثمّ، فإنَّ حمايته اليوم ليست مجرد واجب سياسيّ، بل التزام تاريخي وأخلاقي تجاه ما بناه الآباء والأجداد.. "كل شبر بنذر”..
الأردن اليوم ليس أمام ترف الخطابة، بل أمام واجب الوعي. وليس أمام رفاهية الانقسام، بل أمام ضرورة التماسك. وليس أمام خيار التردد، بل أمام استحقاق حماية الدولة، وصون المجتمع، وتثبيت البوصلة.
وفي مثل هذه اللحظات، يصبح الالتفاف حول الدولة الأردنية، والقيادة الهاشمية، والثقة بمؤسسات القرار، ليس فقط واجباً وطنياً، بل شرطاً من شروط المنعة السياسية، ومن شروط استمرار الدور الأردني بوصفه ركيزة اعتدال، وصوت عقل، ومرجعية اتزان في إقليم يفيض بالحرائق.
أشكر لكم جميعاً حسن استماعكم، وأعتذر على الإطالة، وأجدد الشكر لمعالي الأخ الدكتور محمد أبو رمان وأسرة المعهد على الاستضافة الكريمة وإتاحة الفرصة للقاء بهذا الجمع الطيب والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إن المرحلة القادمة تتطلب اعتماداً أكبر على الذات، واعتماداً أكبر على بعضنا البعض كدول عربية، لأن قوة العرب، كما أثبت التاريخ، تكون دائماً في وحدتهم، لا في تفرقهم.


























