نور الدويري تكتب: التحديث السياسي: 4 سنوات أنهت ما يقارب 70 عاماً من الحزبية المعطلة برلمانياً
نبأ الأردن -
الأحزاب الحديثة بعد التحديث السياسي هي التي استطاعت الفوز في الانتخابات النيابية الأخيرة، بغض النظر عن كل التفسيرات والسرديات التي رافقت المشهد الحزبي في الأردن.
الواقع يقول إن الناس اليوم تؤمن بعقيدة الحزب أكثر من برنامجه السياسي. والدليل أن الأحزاب القديمة لم يفز منها إلا حزب ارتبط بشكل أو بآخر بـ"عقلية العقيدة"، لا ببرنامج إصلاحي حقيقي. بينما أحزاب تأسست قبل ثلاثة عقود لم تستطع حصد مقعد واحد في القائمة الحزبية.
بمعنى أدق، استطاعت الأحزاب الجديدة، التي لم يتجاوز عمرها 4 سنوات، أن تفرض وجودها السياسي. فأحزاب مثل "إرادة" و"الميثاق الوطني" و"تقدم" دخلت البرلمان بـ 41 مقعداً خُصصت للقوائم الحزبية، وشكّلت كتلاً نيابية فاعلة تناقش الموازنة والقوانين وتفتح مكاتب لها في المحافظات وتستقطب الشباب. اليوم هذه الأحزاب تمارس دورها النيابي فعلياً.
في المقابل، تحاول الأحزاب اليوم إعادة ترتيب صفوفها بعد مراجعة ذاتية لأخطائها؛ فشاهدنا اندماج عدة أحزاب، بينما تعيد أحزاب أخرى هيكلة أنظمتها الداخلية وتغير أمناءها العامين بعد نتائج الانتخابات، على سبيل المثال حزب مبادرة اليوم يقدم نفسه حزبا برامجيا اصلاحيا وفقا لتقييم مؤسسة راصد بعد طرح خطاب الكتلة الحزبية لرد على مشروع الموازنة، وظهر الحزب بعدة قرارت جريئة أخرى وكذلك حاولت أحزاب أخرى.
لنكن صريحين مع التاريخ: الحياة الحزبية في الأردن عمرها من عمر الدولة الأردنية، وقدمت تجارب مختلفة في التأثير. فالأحزاب اليسارية والقومية تحديداً كان لها حضور قوي ومحترم في النقابات المهنية والاتحادات الطلابية والحراك المجتمعي، وشكلت وعياً سياسياً لمرحلة كاملة. لكن هذا الحضور ظلّ في أغلبه خارج أسوار القرار الرسمي.
أولاً، تجربة الأربعينيات والخمسينيات: أحزاب أيديولوجية سقطت مع حلّ الأحزاب عام 1957، وارتبطت الحزبية في ذاكرة الناس بالصراع والفوضى.
ثانياً، تجربة الثمانينيات: عادت الحياة الحزبية بانتخابات 1989، لكنها أنتجت "أحزاب أشخاص". كان الحزب يُعرف باسم أمينه العام، وإذا غاب الأمين غاب الحزب معه. لم نشهد تداولاً حقيقياً للسلطة داخل معظم الأحزاب.
ثالثاً، ما بعد عام 2016: تحولت غالبية الأحزاب إلى منافع شخصية وصالونات نخبوية. كان اجتماع الهيئة العامة للحزب يُعقد في فندق خمس نجوم بحضور عشرين شخصاً فقط، بينما قوائم المنتسبين على الورق كانت بالآلاف.
ثم جاء التحديث السياسي ليغيّر قواعد اللعبة. تحديث لم يخترع الأحزاب، بل نقلها من هامش التأثير إلى متن القرار. تحديث سمح لكل الطبقات بأن تكون فاعلة، لا للنخب فقط. والنتيجة نراها بالأرقام:
للمرأة: اليوم لدينا 27 نائبة، 10 منهن دخلن عبر القائمة الحزبية. قبل التحديث كان تمثيل الحزبيات لا يتجاوز نائبة أو اثنتين.
للشباب: 11 نائباً تحت سن 35 دخلوا البرلمان عبر الأحزاب، وبعضهم اليوم يرأس لجاناً نيابية. قبل أربع سنوات كان هذا المشهد مستحيلاً.
للقانون: أصبح الموظف العام محمياً بقانون الأحزاب الجديد. قبل التحديث كان الموظف يخفي انتسابه الحزبي خوفاً على وظيفته. اليوم مديريات في وزارات يرأسها حزبيون معلنون.
ومن الطبيعي أن الأخطاء التي مارستها الأحزاب قبل التحديث السياسي أكدت حقيقة واحدة: الجميع يتعلم، ولا يوجد "معلمون" في السياسة. حزب قديم كان يملك 100 ألف منتسب على الورق، لكنه لم يستطع جمع 7 آلاف صوت في الدائرة العامة. هذا يعني أن الأرقام كانت فاعلة نقابياً، لكنها ديكورية برلمانياً.
وحتى نكون منصفين، فإن الغالبية العظمى من الأحزاب سابقاً لم تصل لمواقع صنع القرار عبر الصناديق، باستثناء حزب واحد اعتمد على البُعد الاجتماعي والديني أكثر من البُعد السياسي البرامجي.
لذلك، من المنطقي والواقعي أن نقول: الفاعلية السياسية بمعنى الوصول للبرلمان والحكومة عبر الأحزاب عمرها 4 سنوات. وما قبلها كان فاعلية نقابية وحراكية محترمة، لكنها لم ترتقِ لمستوى الفعل السياسي المؤثر في التشريع والقرار الذي نراه اليوم تحت قبة البرلمان.
التحديث السياسي ليس شعاراً، بل واقع بدأنا نلمس أثره في البرلمان والحكومة والشارع. والمطلوب اليوم ليس البكاء على الأطلال، بل البناء على ما تحقق وطنياً، وتصحيح ما تبقى من أخطاء.
#نور_الدويري #الأحزاب_الأردنية #التحديث_السياسي


























