اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

سامية المراشدة تكتب : في رسالة عيد من مغترب

سامية المراشدة تكتب : في رسالة عيد من مغترب
نبأ الأردن -
جاء السؤال من مغترب: كيف العيد عندكم؟ هل ما زال كما هو أم تغير؟ أصابني الشعور بأن ذلك السائل يبحث عن عيد في ذاكرته، فأجبته، كما أنت تتوقع، اسمه عيد،  وأمطرته بعدد من الأسئلة، أولها: كم أنت غائب عن الأردن؟ فأجاب: ثلاثون عاماً. ياه من زمن! وهل ما زلت تتذكر العيد في الأردن والأهل والأصدقاء؟ قال: بقي القليل القليل، وأنا كبرت ولكن أحن لوطن لم أزره إلا في المناسبات، وأغلبها حزينة،
، فقررت ان لا أخذله وأغير من تلك الصورة التي في ذاكرته، لأن الزمن تغير وأصبح العيد مختلفاً جداً، لا بل نشط ذاكرتي أكثر بعض الشيء.

فقلت له: تعال معي لقريتك كفر أسد ،وسير معي في شوارعها بين الحارات القديمة ، ما زالت رائحة القهوة تخاطب الصباح، بصباح الخير، هناك من يحمص البن يا سلام، معالم العيد بدأت تظهر ورائحة الكعك والغريبة، هل تشاهد ما زالت الأراضي خالية من العمران، وكلها مزروعة زيتون وقمح، في يوم العيد ما زال هناك تجمع في ذلك الصباح عند كبير العائلة، الأخ الأكبر أو شيخ العشيرة، قبل صلاة العيد المضافة، مجهزة لتلك المناسبة، وكانت دلال القهوة والفناجين  والمهباش، وكان طبق القش معلقاً على الحائط، وكان الفرش أرضياً، وعليه بساط أحمر، وكان الحضور لباسهم أثواباً وعباءات، لا بل أيضاً طقومة مقصبة عند المخاتير ولباس الرأس سلك الأحمر والعقال،  وكان قليلاً ما تشاهد أحدهم مفرّع الرأس. أنت، أيها المغترب، في ذلك الوقت كنت طفلاً صغيراً تلعب في الشارع مع أبناء جيلك، وصوت ضحكاتكم يملأ الكون سعادة، كنت تأخذ العيدية التعريفة أو القرش، وتركض إلى الدكانة أبو العبد  الوحيدة التي في رأس الحارة، وكانت الدكان معلّقاً على بابها من الخارج مكانس قش وأباريق بلاستيك، كانت الدكان تحتوي على مرتبنات كلها سوس وملبس وقضامة وحلقوم،وجعجبان ، وكان معلقاً حبل طويل ملبس حامض حلو ملون، وكانت بالدكانة لعبة "اسحب واربح"، وأنت حظك مهما كان، فإذا ربحت، تحصل على بالون، كنت تشتري الفتيش وفرد مي، وكانت لعبتنا المفضلة السيسو، كنت تحتفظ بملابس العيد كسكسوة سنوية، تحسب عليك. كان أبو زيد، خالك، اذا حصلت على علبة ماكونتش وتضيف منها ،فأنت من طبقة المقتدرين مالياً، وبلازا، وسولفنانا، ومخشرمه وناشد، وملبس على لوز، وتضيف دخان ريم جولد كوست فرط ،كانت صواني اللحمة والمعلاق فطور العيد، وكانت الناس تعيد العنايا خبز قراص وحلاوة وسمنة بلدية. كان حديث التجمعات الزرع والحصيدة، وعندما يسمع أن أحد الأصدقاء والأقارب والجيران مريض، يتجمعون بعد صلاة العيد ويتوجهون إلى منزله لزيارته، كان المنزل الذي فقد عزيزاً في أول يوم عيد، الجميع يزوره ويجبر خاطر الأهل، كانت الناس أكثر صدقاً ومحبة ومودة.

أيها المغترب، إذا عشت تلك الأيام، احتفظ بها، العيد هذه الأيام لم يعد الجار يزور الجار، وقليل من يجبر الخاطر، أصبحت المعايدة عبارة عن تواصل اجتماعي، معايدة إلكترونية بدلاً من تجمع في مضافة العشيرة والعائلة. وأصبحنا نتبادل التهاني بكلمات مكررة لا روح فيها، ولم يعد سلفانا والمخشرمة موجودة، ولم يعد تداول القرش والتعريفة، ولم نعد نحن كما كنا... أضعنا العيد بين التطور والبعد، ولم يعد هناك مراسم مخصصة للعيد، وأصبح الحديث فقط عن نظام الطيبات وحرب إيران وأميركا، بعد ما كانت مسرحية "العيال كبرت" ومدرسة المشاغبين و"سك على بناتك" هي من تشغل قنواتنا. عيش العيد أيها المغترب في ذاكرتك ، فكل ما ذكرته قديماً هو العيد. 
سامية المراشدة
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions