د. عبدالله محمد القضاة يكتب: التحالف الأردني–السعودي ضرورة استراتيجية في ظل حرب مفتوحة ومخاطر ممتدة

د. عبدالله محمد القضاة يكتب: التحالف الأردني–السعودي ضرورة استراتيجية في ظل حرب مفتوحة ومخاطر ممتدة
نبأ الأردن -
في لحظة إقليمية استثنائية، تتجاوز حدود التوتر التقليدي لتلامس ملامح حرب مفتوحة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، يجد الأردن نفسه أمام بيئة استراتيجية غير مسبوقة في تعقيدها وسرعة تحولاتها. فهذه المواجهة لا تُدار فقط في مسارحها المباشرة، بل تمتد عبر شبكة معقدة من الفاعلين المسلحين والجبهات غير المعلنة، ما يجعل ارتداداتها أكثر اتساعاً وخطورة على دول الإقليم، وفي مقدمتها الأردن.
لقد اعتاد الأردن، بحكم موقعه وتاريخه، على امتصاص الصدمات الإقليمية، غير أن طبيعة هذه المرحلة تفرض معادلة مختلفة كلياً؛ إذ لم تعد المخاطر محصورة في جغرافيا واضحة، بل باتت متعددة المسارات: عسكرية غير مباشرة، أمنية عابرة للحدود، واقتصادية تضغط بشدة على العصب الوطني. وفي هذا السياق، تتقاطع تداعيات الحرب الإقليمية مع التهديدات المستمرة على الجبهة الشمالية، حيث تحول الجنوب السوري من مجرد ساحة نفوذ متنازع عليها، إلى منصة نشطة لتهديد الأمن الوطني الأردني.
إن أخطر ما في المشهد الحالي هو تداخل "الحرب الكبرى" مع "حروب الظل". فبينما تنشغل القوى الدولية في المواجهة المباشرة، تستمر شبكات التهريب المنظمة -المدعومة من ميليشيات إقليمية- في استغلال الفراغات الأمنية لتكثيف عملياتها. ولم يعد تهريب المخدرات والسلاح مجرد نشاط إجرامي عابر، بل تحول إلى أداة ضمن استراتيجية استنزاف ممنهجة، تستهدف إضعاف الدولة الأردنية، وإنهاك قدراتها العسكرية والأمنية، وخلق بؤر توتر دائمة على حدودها.
وفي قراءة استراتيجية أعمق، ندرك أن الأردن لا يُستهدف لذاته فحسب، بل بوصفه البوابة الجيوسياسية الأهم في معادلة الإقليم. فإضعاف الأردن يعني بالضرورة فتح مسارات ضغط خطيرة على العمق الاستراتيجي العربي، وفي مقدمته المملكة العربية السعودية، التي تمثل حجر الزاوية للاستقرار السياسي والاقتصادي في المنطقة. من هنا، فإن أمن عمّان وأمن الرياض لم يعودا مسارين متوازيين، بل باتا نسيجاً أمنياً واحداً يتعرض اليوم لاختبار حقيقي.
أمام هذا المشهد المعقد، تبرز الحاجة الملحة للانتقال بالعلاقات الأردنية–السعودية من مربع "التنسيق المتقدم" إلى فضاء "التحالف الاستراتيجي الشامل"؛ تحالف لا يكتفي برد الفعل، بل يبني قدرة مشتركة على الردع والاستباق، وذلك عبر أربعة مسارات متوازية:
أولاً، على المستوى الأمني: تفرض المرحلة بناء منظومة تنسيق عملياتي عالي المستوى، تشمل التبادل اللحظي للمعلومات، والتكامل في مراقبة الحدود، وتوحيد الجهود في مواجهة التهديدات غير التقليدية المرتبطة بحروب الوكلاء. فالمعركة اليوم هي حرب مركبة تتطلب أدوات أكثر مرونة وذكاءً.
ثانياً، على المستوى السياسي: يصبح لزاماً على القيادتين العمل معاً للحفاظ على توازن دقيق يجنب المنطقة الانزلاق إلى صراع إقليمي شامل، مع حماية المصالح الحيوية للدولتين. وهذا يتطلب جهداً دبلوماسياً مشتركاً لاحتواء التصعيد، دون التفريط بثوابت الأمن القومي.
ثالثاً، على المستوى الاقتصادي: لا تقل تداعيات الحرب خطورة عن الجانب الأمني. فاضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع كلف الطاقة، وتراجع الاستثمارات، تضغط بقوة على الاقتصاد الأردني. وهنا يبرز الدور السعودي كعامل استقرار حاسم، من خلال تعميق الاستثمارات الاستراتيجية، وتوسيع مجالات التكامل الاقتصادي، والاستفادة من "رؤية السعودية 2030" لخلق فرص تنموية تعزز مناعة الاقتصاد الأردني.
رابعاً، على المستوى الداخلي: تفرض هذه المرحلة تسريع مسارات التحديث والإصلاح، وتعزيز كفاءة المؤسسات، والاستثمار في التكنولوجيا والبيانات، بما يرفع قدرة الدولة على الاستجابة السريعة للأزمات المركبة. فالقوة الخارجية تبدأ من الداخل، والدولة التي تمتلك جبهة داخلية صلبة هي الأقدر على الصمود في وجه العواصف.

إن ما يميز هذه اللحظة التاريخية ليس فقط حجم التهديد، بل تشابك مخاطره وتزامنها. فالأردن يواجه في آن واحد حرباً إقليمية مفتوحة، وضغوطاً أمنية على حدوده، وتحديات اقتصادية ضاغطة؛ ما يجعل من بناء تحالفات استراتيجية صلبة خياراً لا يحتمل التأجيل.
في المحصلة، لم يعد التحالف الأردني–السعودي مجرد خيار سياسي، بل أصبح ضرورة وجودية تفرضها طبيعة المرحلة. فبينما تتغير خرائط القوة وتتصاعد حدة الصراع، يبقى الرهان الأكبر على تحالف عربي عقلاني ومستقر، قادر على حماية مصالحه، واحتواء التهديدات، وصياغة مستقبل أكثر توازناً للمنطقة.
إنها حرب تعيد تشكيل الإقليم... وتحالف عمّان–الرياض هو أحد مفاتيح عبور هذه المرحلة بأقل الخسائر وأعظم المكاسب.
* أمين عام وزارة تطوير القطاع العام سابقا.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions