د. وليد العريض يكتب: الغابة التي لا يُستجاب فيها الدعاء – سِجلّ الغابة… أو: حين تصطفّ الكائنات لتُثبت أنها لم تعش كما ينبغي
نبأ الأردن -
لم تكن الغابة هذه المرّة ساحةً للحياة، بل قاعةً للمصادقة على ما تقرّر فيها مسبقًا، لا شيء يولد هنا، ولا شيء يُناقش، بل كلّ شيء يُعتمد كما كُتب قبل أن يحدث، الكائنات مصطفّة، لا تبحث عن حقها، بل عن نسختها الرسمية، كلّ واحدٍ يحمل ملفّه، لا ليُثبت أنه كان، بل ليعرف كيف يجب أن يُحكى عنه، وكأن الوجود نفسه لم يعد واقعًا، بل وثيقة تحتاج إلى ختم.
في صدر الساحة جلست البومة الكبرى، لا بوصفها حاكمة، بل بوصفها الجهة الوحيدة المخوّلة بتعريف الحقيقة، أمامها سجلّ ضخم لا يُفتح للقراءة، بل للإقرار، ومن حولها صمت يشبه الخضوع أكثر مما يشبه الاحترام، رفعت رأسها وقالت بصوتٍ لا يقبل التأويل: ليتقدّم التالي.
تقدّم أرنبٌ يرتجف، وقال: نحن لا نريد الدخول في هذا، لدينا ما يكفينا من الخوف، فقالت البومة دون أن تنظر إليه: لقد دخلت منذ أن خفت، فارتبك، وقال: لكنني لم أوافق، فقالت: ومن قال إن الخائف يُستشار.
تقدّم ثعلبٌ متماسك، وقال: نحن نعلن الحياد، لا نريد أن نكون طرفًا، فقالت البومة: الحياد رفاهية لا تُمنح إلا لمن يملك القوة، وأنت لا تملك إلا الخوف المزيّن بالكلام، فقال: نحاول فقط ألّا نتورّط، فقالت: من لا يتورّط يُدرج، ومن يُدرج يُستخدم ثم يُنسى.
اندفع ذئبٌ، وقال: نحن جاهزون، قولوا لنا ما المطلوب، فقالت البومة: المطلوب أن تظنّ أنك اخترت، ثم تفعل ما كُتب لك، فهَمَسَت سلحفاة إلى جانبه: التأنّي نجاة، فقال الذئب: التأنّي تأخير للمكاسب، فضحك غراب من الخلف، وقال: بل تعجيل للهزيمة، ولكن بصورة رسمية.
وقفت الغزلان في الأطراف صامتة، لا لأنّها عاجزة، بل لأنها أدركت أن الصوت في هذه الغابة لا يُسمع إلا إذا كان صدى لما تريده البومة.
تقدّم فيلٌ عجوز، وقال: ألا يوجد طريق ثالث، لا نكون فيه ضحايا ولا جلادين، فقالت البومة: الطريق الثالث خرافة تُروى لمن لم يُسجَّل اسمه بعد.
تقدّم ماعزٌ، وقال: وإن رفضنا، فقالت: لكم حق الرفض، فقال: وهل نحمي أنفسنا بالرفض، فقالت: لا، ولكنكم ستموتون وأنتم تظنون أنكم اخترتم.
ساد صمت ثقيل، لا يشبه الخوف، بل يشبه الإدراك المتأخر.
تقدّم حمارٌ، وقال: وإن دخلنا، فقالت: تكونون قد اعترفتم، فقال: ومتى نخرج، فقالت: حين تنتهي الحاجة إليكم، لا حين تريدون.
صاح ديك من الخلف: ومن نحن في هذا كله، فقالت البومة: أنتم المادة التي تُكتب بها القرارات.
فتح قرد ملفّه، وقال: هنا مكتوب أننا وافقنا، فقالت: هذه النسخة التي ستُدرَّس، فقال: لكننا لم نوافق، فقالت: لا أحد يدرّس ما حدث، بل ما يجب أن يُصدّق.
تسلّل صوت بين الأشجار يقول: في هذه الغابة الحقيقة لا تُمنع، بل تُعاد صياغتها حتى تُصبح غير قابلة للاستخدام.
تراجع الفيل، وقال: وماذا نفعل الآن، فقالت البومة: تصرّفوا وفق السجل لتصبحوا شرعيين، فمن لا يلتزم بالقصة يُحذف من الرواية.
تحرّك القطيع ببطء، لا لأنهم اقتنعوا، بل لأنهم فهموا أن الوقوف خارج الدور يعني السقوط خارج الوجود.
وفي نهاية الغابة لم يبقَ سؤال، بل بقي إدراك واحد ثقيل، أن الكائن هنا لا يعيش ليكون، بل يُسمح له أن يكون بقدر ما يُحسن أداء ما كُتب له، وأن النجاة لم تعد في الهروب ولا في المواجهة، بل في القدرة على التماهي مع السجل، حتى يختفي الفرق بين من كان ومن كُتب عنه.

























