أمجد الفاهوم يكتب: أولويات تحديث الصناعات الكيماوية في الأردن
نبأ الأردن -
تُعيد صياغةُ الأولويات الوطنية لمسار الصناعات الكيماوية موقعَ هذا القطاع بوصفه أحد أعمدة الاقتصاد الإنتاجي، ومحركًا رئيسيًا للقيمة المضافة والتصدير. فهذه الصناعات لا تقتصر على إنتاج المواد الأساسية، بل تمتد لتغذية سلاسل إنتاج زراعية وصناعية متعددة، ما يجعل تطويرها ضرورة استراتيجية لتعزيز الاكتفاء الذاتي وزيادة القدرة التنافسية في الأسواق العالمية .
تنطلق الأولوية الأولى من التحول من الإنتاج الأولي منخفض القيمة إلى صناعات تحويلية متقدمة. إذ تشير الدراسات إلى أن جزءًا كبيرًا من الإنتاج الكيماوي في الأردن يتركز في مواد أساسية تُستخدم كمدخلات للصناعات العالمية، ما يحدّ من القيمة المضافة المحلية . لذلك، يصبح توطين الصناعات المتقدمة مثل الكيماويات المتخصصة، والمنتجات الدوائية، والصناعات الخضراء، مسارًا حاسمًا لرفع العائد الاقتصادي وتعزيز الاستقلال الصناعي.
تتقدم أولوية البحث والتطوير كركيزة مركزية في هذا التحول. وهنا يبرز دور المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا بوصفه الجهة الوطنية القادرة على بناء الجسر بين المعرفة والتطبيق. فقد أطلق المجلس برامج لدعم البحث العلمي التطبيقي في الصناعات الكيماوية، مع التركيز على مواءمة أولويات البحث مع احتياجات الصناعة، وزيادة التمويل للمشاريع ذات الأثر الاقتصادي المباشر . كما يعمل من خلال صندوق دعم البحث والتطوير الصناعي على تحسين كفاءة المنتجات وتطوير العمليات الإنتاجية وتعزيز التنافسية الصناعية .
تفرض المرحلة أيضًا أولوية بناء منظومة تكامل مؤسسي بين الجهات الوطنية. فوزارة الصناعة والتجارة والتموين تمثل الذراع التنظيمي والتشريعي، وهي المعنية بتطوير السياسات الصناعية وتحفيز الاستثمار وتبسيط الإجراءات، بما يعزز بيئة الأعمال ويدعم التوجه نحو الصناعات ذات القيمة العالية. وفي المقابل، تلعب غرفة صناعة الأردن دور الحاضنة القطاعية التي تنقل احتياجات المصانع والتحديات الواقعية، وتعمل على تمكين الشركات من التوسع والتصدير، وفتح أسواق جديدة للمنتجات الوطنية .
تتجلى إحدى الأولويات الحيوية في تعزيز التصدير والاندماج في سلاسل القيمة العالمية. فالقطاع الكيماوي يمثل نسبة مهمة من صادرات الأردن، ويسهم في توفير العملات الأجنبية وفرص العمل، ما يفرض ضرورة تطوير قدراته التنافسية من خلال الجودة، والاعتماد الدولي، والتسويق الذكي للمنتجات . كما أن إنشاء منصات رقمية للتصدير، وتطوير خدمات لوجستية متخصصة، يشكلان أدوات حديثة لتعزيز الحضور العالمي للمنتج الأردني.
تكتسب الجامعات والباحثون دورًا محوريًا في تحقيق هذه الأولويات، حيث تتحول الجامعات من مؤسسات تعليمية تقليدية إلى محركات للابتكار الصناعي. فربط مشاريع التخرج والأبحاث التطبيقية باحتياجات المصانع، وتطوير برامج دراسات عليا متخصصة في الصناعات الكيماوية، يعزز من إنتاج المعرفة القابلة للتطبيق. كما أن بناء حاضنات أعمال ومراكز تميز مشتركة بين الجامعات والصناعة يسرّع من تحويل الأفكار إلى منتجات قابلة للتسويق.
تُبرز التجارب العالمية أن نجاح الصناعات الكيماوية يعتمد على توفر بيئة ابتكار وطنية متكاملة، تقوم على التنسيق بين السياسات، والتمويل، والتعليم، والقطاع الخاص. وقد تبنّت الأردن نهج الاقتصاد القائم على الابتكار من خلال استراتيجيات وطنية تهدف إلى تحويل المعرفة إلى محرك للنمو الاقتصادي، وتعزيز الشراكات بين مختلف الفاعلين .
تتطلب المرحلة المقبلة التركيز على الصناعات الكيماوية الخضراء، في ظل التحولات العالمية نحو الاستدامة وتقليل الانبعاثات. فتبني تقنيات الإنتاج النظيف، وإعادة التدوير، واستخدام المواد الصديقة للبيئة، لم يعد خيارًا بل شرطًا لدخول الأسواق العالمية والحفاظ على القدرة التنافسية.
وعليه فإن تحديث الصناعات الكيماوية في الأردن ليس مشروعًا قطاعيًا محدودًا، بل مشروع وطني متكامل يتطلب تضافر الجهود بين المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا، ووزارة الصناعة، وغرفة الصناعة، والجامعات، والقطاع الخاص. وعندما تُبنى هذه الشراكة على أسس واضحة من الابتكار، والتكامل، والاستدامة، فإن القطاع الكيماوي قادر على أن يتحول من قطاع تقليدي إلى رافعة اقتصادية متقدمة تقود النمو وتخلق فرصًا نوعية للأجيال القادمة.


























