د. ماجد الخواجا يكتب: إعادة هندسة الوعي الجمعي
نبأ الأردن -
إن فكرة " الإعلام لا يكذب" هي أفجر فكرةٍ يمكن أن يتم تصوير الإعلام بها، إنها تعبّر عن مدى خطورة التلاعب بالألفاظ والأفكار والغايات، بحيث تزرع في الوجدان مضامينها لتنغرس عميقاً وتمتد لتأخذ حيز وقيمة الحقيقة، فيما هي تكون أبعد ما تكون عن الحقيقة. إن وسائل الإعلام قادرة على "برمجة الجمهور" وإعادة صياغته عن طريق غرائزه ودوافعه، وبالتالي فهي قادرة على تحويل الجمهور إلى "مفعول به" قابل للخداع، خاضع للتأثير، موضوع للتلاعب، وهذا هو الاتجاه السائد في بعض مجال الدعاية والإعلام في مختلف أنحاء العالم.
ما الذي يضمن أننا لم نتعرض إلى خدع كثيرة، وأننا بالفعل صدقنا ما هو أفظع من غزو المريخ دون أن ندرك، صدقنا حكايات الأطباق الطائرة وقارة أتلانتس، ووجود مخلوقات فضائية قد تغزو الأرض، صدقنا خرافات عديدة غرستها وسائل الإعلام على مر السنين منها: حيث الواقع أن بعض وسائل الإعلام توجهها أجندات سياسية ومالية، صناعة الأبطال والشياطين، صناعة الطاغية، تحويل الأبرياء إلى مجرمين عبر تزييف الواقع وإماتته، خرافات عن العدو والصديق عبر التنميط المتكرر والتضخيم او التقزيم لدولة ما، خرافات صحيّة وطبيّة، خرافات البرمجة العصبية والطاقة السلبية والإيجابية وكيف تصبح مليونيراً، خرافات ومعتقدات شعبية كرّستها وسائل الإعلام من قبيل التشاؤم من الغربان ومن القط الأسود ومن الدق على الخشب خشية الحسد، خرافات ربط السعادة بالاستهلاك والمقدرة الشرائية.
إن وظيفة الإعلام المتمثلة في تغطية الأخبار ونقلها وتحليلها، وظيفة نظرية فقط، حيث المهمة الحقيقية للإعلام، تتمثل في إعادة تشكيل الواقع، وإعادة تغليفه، ثم تقديمه للناس في صورته الجديدة.
مصالح اقتصادية وثقافية وسياسية، يرى أصحابها أنها تستحق أن يدفعوا لتحقيقها المبالغ الطائلة من أجل التحكم في الرأي العام، إنها إعادة توجيه، وتوليد سلوكات لم تكن موجودة، إنه تغيير قناعات، وهذه العملية برمَّتها تهتدي ببوصلة المموِّلين، وليست بخريطة مصالح الجمهور أو هويته أو قِيَمِه.
ومن أجل استكمال حلقات تشويه الوعي الجمعي، فلا بد من غطاء قانوني داعم ومساند لتلك الهندسة الإعلامية بحيث تكتمل المشاهد الموجِّهة والموجَهَّة في بناء مواقف وآراء تخدم صاحب المصلحة وتحقق أهدافه المعلنة أو غير المعلنة.
ربما الصورة الكليّة للإعلام ليست بهذا المستوى المتشائم.
ربما ليس بعيداً عنا كل تلك التحليلات التي ضختها وسائل الإعلام والقنوات طيلة حرب غزّة والآن حرب إيران، فشاهدنا رأيا عاما منقسما ما بين مؤيد أو محايد أو معارض، وليس غريباً أن يكون الموقف والرأي مستنداً بالكامل على ما يتلقاه المشاهد من مضامين ومحتوى إعلامي.
























