د. وليد العريض يكتب: الجامعة العربية أمام لحظة التحوّل… هل يفعلها نبيل فهمي هذه المرة؟
نبأ الأردن -
في زمنٍ عربيٍّ مثقلٍ بالتحديات ومتخمٍ بالأسئلة المؤجلة، لا يأتي اختيار نبيل فهمي أمينًا عامًا لجامعة الدول العربية بوصفه مجرد انتقالٍ إداريٍّ في موقعٍ تقليدي، بل باعتباره إشارةً سياسية كثيفة تختصر إدراكًا متأخرًا بأن المرحلة لم تعد تحتمل الأدوات القديمة ولا الخطاب المكرّر ولا إدارة الأزمات بمنطق الانتظار؛
إذ إن ما يتشكّل اليوم في الإقليم وفي العالم من حوله يفرض على العرب أن يعيدوا تعريف دورهم، لا أن يكتفوا بتأمل تراجعهم.
إن المرحلة القادمة لا تشبه ما مضى إلا في تراكم أزماته، لكنها تختلف عنه في سرعة تحوّلاتها، وحدّة تناقضاتها وتشابك ملفاتها؛ حيث لم تعد القضايا العربية محصورة داخل حدودها، بل باتت جزءًا من شبكة مصالح دولية معقّدة، تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد والأمن بالطاقة والميدان بالإعلام، فيما تتقدّم قوى إقليمية ودولية لملء فراغٍ تركه غياب الفعل العربي، في وقتٍ لم تعد فيه الشعوب تقبل الاكتفاء بالبيانات ولا تقتنع بخطابٍ لا ينعكس أثره على الواقع.
وفي قلب هذه اللحظة تبدو الحاجة ملحّة إلى عقلٍ قادرٍ على قراءة التوازنات، لا الاكتفاء بوصفها وإلى دبلوماسيةٍ تُجيد الحركة داخل التعقيد، لا الوقوف على أطرافه؛ وهنا يبرز نبيل فهمي بما يمتلكه من خبرةٍ ممتدة في العمل الدولي وفهمٍ عميقٍ لطبيعة النظام العالمي، بوصفه رجلًا يعرف أن السياسة ليست إعلان مواقف، بل صناعة تأثير وأن الحضور لا يُقاس بما يُقال، بل بما يُنجز.
ولعل أول ما يُنتظر من هذه المرحلة أن تنتقل الجامعة العربية من موقع المتابع إلى موقع المبادر؛ إذ لم يعد مقبولًا أن تظل الأحداث تسبقها، فيما يقتصر دورها على التعليق، بل المطلوب أن تتحوّل إلى جهةٍ تصوغ خيارات وتطرح مبادرات وتدفع نحو مساراتٍ تُعيد للعرب جزءًا من قدرتهم على التأثير، خصوصًا في القضايا التي تمسّ جوهر أمنهم وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي لم تعد تحتمل المزيد من التأجيل ولا المزيد من الاكتفاء الرمزي.
كما أن التحدي لا يكمن في إنهاء الخلافات العربية وهو أمرٌ يتجاوز الممكن، بل في القدرة على إدارتها بقدرٍ من الوعي والمرونة، بحيث لا تتحول إلى عائقٍ دائمٍ أمام أي تحرّك مشترك؛ فالمطلوب ليس وحدة كاملة، بل حدٌّ أدنى من التوافق الفعّال الذي يسمح باتخاذ قرارات ولو جزئية، لكنها ملموسة وقابلة للتطبيق.
وفي عالمٍ لم يعد أحاديّ القطبية، بل تحكمه توازنات دقيقة بين قوى كبرى متنافسة، تبرز الحاجة إلى دبلوماسيةٍ عربية تعرف كيف تتحرك بين هذه القوى دون ارتهان وكيف تحافظ على المصالح دون انخراطٍ أعمى في محاور؛ وهي مهمة تتطلب فهمًا عميقًا للعبة الدولية وقدرةً على التكيّف مع تحوّلاتها، لا مجرد التفاعل معها.
غير أن الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها تبقى أن أي رؤية، مهما بلغت دقتها، ستظل معلّقة ما لم تجد إرادةً عربية تدعمها وتترجمها إلى فعل؛ فالأمين العام مهما امتلك من خبرة لا يصنع القرار وحده، بل يعمل ضمن منظومةٍ تحدد له حدود الحركة وتفتح له أو تغلق أبواب التأثير.
ومن هنا فإن ما نشهده اليوم لا يمكن اختزاله في شخصٍ، بقدر ما هو اختبارٌ لمرحلة ولإرادة ولقدرةٍ على الانتقال من زمن القول إلى زمن الفعل؛ فإما أن تتحول هذه اللحظة إلى بداية مسارٍ جديد، يعيد للجامعة العربية معناها وللدور العربي وزنه أو أن تبقى مجرد محطةٍ أخرى في سجلّ الانتظارات الطويلة.
وفي المحصلة يقف نبيل فهمي عند نقطةٍ دقيقة بين الإمكان والتحدي؛ إذ يمتلك مفاتيح الفهم وربما القدرة على إعادة توجيه البوصلة، لكن الطريق نفسه، بكل تعقيداته، يظل مرهونًا بإرادة من يسيرون فيه، لا بمن يرسمونه فقط.

























