د. اسمهان ماجد الطاهر يكتب: الضمان الاجتماعي بين المرونة الحكومية وحقوق المواطن: قراءة نقدية للقانون الجديد
نبأ الأردن -
في خطوة حديثة لتقديم مشروع تعديل قانون الضمان الاجتماعي الأردني، اعتمدت الحكومة في مشروع القانون الجديد توسيع صلاحيات المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي وزيادة مرونتها الإدارية والمالية.
من منظور عام، يبدو هذا التعديل منطقياً ويخدم الحكومة بالمدى المنظور ؛ فهو يوفر أدوات لإدارة العجز المالي، ويتيح الاستفادة من أموال الضمان في مشاريع مشتركة مع القطاع الخاص، ويمنح المؤسسة قدرة أكبر على ضبط الإنفاق في ظل الظروف الحالية.
لكن عند النظر إلى أثر هذه التعديلات على المواطن، تتضح فجوة بين أهداف الحكومة واحتياجات المجتمع.
فالحقوق التأمينية الأساسية التي كانت مضمونة سابقًا بقانون ثابت، أصبحت الآن مرتبطة بتعليمات قابلة للتعديل. هذا يعني أن المواطن قد يجد نفسه عرضة لتأخير مستحقاته، أو قيود على راتب التقاعد والتغطية التأمينية.
حيث أن نقل تفاصيل الحقوق من القانون إلى تعليمات يقلل من قوة الضمان القانوني للمواطن، حيث ان التعليمات أسهل في التعديل، ممايزيد المخاطر على الاستحقاقات التأمينية.
ومن الضرورة تثبيت الحقوق الأساسية في نص قانوني واضح لا يمكن تغييره إلا بتعديل تشريعي.
من جانب آخر، التحليل الاكتواري الذي اعتمدته الحكومة لحساب استدامة النظام المالي غالبًا لم يأخذ بعين الاعتبار الظروف السياسية والاقتصادية الطارئة، مثل الأزمات الإقليمية، وارتفاع معدلات البطالة، والفقر وانخفاض الأجور ، مما يجعل الاعتماد الكامل على هذه الدراسة غير كافٍ لضمان حقوق المواطنين في المستقبل.
أيضًا، نقل الاستثمارات من صندوق مستقل إلى مشاريع مشتركة مع القطاع الخاص الذي نادى به التعديل يزيد المخاطر المالية على أموال الضمان الاجتماعي، ويقلل الشفافية والرقابة البرلمانية المباشرة على كيفية إدارة هذه الموارد.
وقد يؤدي إلى تضارب مصالح محتمل أو إسراف في إدارة الأموال المخصصة لمستحقات المواطنين. فمن الضروري وجود آليات واضحة لضمان حقوق المؤمن عليهم عند الاستثمار، مع التأكيد على أهمية وجود رقابة مستقلة.
ان اهم نقطة أساسية في تعزيز الشفافية والرقابة على استثمارات الضمان الاجتماعي، هو وجود الرقابة المستقلة التي كانت تتم من خلال مزيج من الصندوق المستقل، المراجعة الداخلية، والمتابعة البرلمانية.
والتعديلات الجديدة تقلل من هذه الرقابة المستقلة، لأن الصندوق المستقل أُلغي، وتقارير النواب لم تعد إلزامية، مما يعطي إدارة المؤسسة مرونة أكبر لكن على حساب شفافية وحقوق المؤمن عليهم.
ان الحفاظ على آليات رقابية واضحة وشفافة للمواطنين والمستفيدين حقيقة لا يمكن تجاوزها.
فتعزيز الشفافية والرقابة ليس مجرد مطلب إداري، بل أساس لبناء الثقة المجتمعية
إن أي قراءة متأنية لهذا القانون تظهر أنه يصون مصالح الحكومة على المدى القصير ويزيد مرونتها الإدارية، لكنه يقيد أمان المواطنين وحقوقهم التأمينية.
لذلك، من وجهة نظري كخبيرة وأكاديمية اؤمن بالمسؤولة الاجتماعية، يجب رد هذا القانون و اعادة النظر في كل تفاصيله وربط الدراسة الاكتوارية بالواقع السياسي والاقتصادي، لضمان أن تظل الحقوق التأمينية الأساسية محمية بموجب نصوص قانونية واضحة .
القانون يجب أن يكون أداة حماية اجتماعية للمواطن، وليس مجرد أداة مرنة لإدارة الأزمات المالية للحكومة.
إن سحب القانون وإعادة النظر فيه لا يقتصر على حماية الحقوق التأمينية الأساسية للمواطنين فحسب، بل يمثل استثمارًا استراتيجيًا في الثقة المجتمعية واستقرار النظام الاجتماعي على المدى الطويل.
a.altaher@meu.edu.jo


























