وائل منسي يكتب: الحرب متعددة الأبعاد: كيف تعيد إيران صياغة معادلات القوة عبر مضيق هرمز
نبأ الأردن -
لم تعد الحروب في عالم اليوم تُحسم على جبهة واحدة أو عبر تفوق عسكري تقليدي فقط، بل باتت صراعات مركبة تُدار عبر منظومة متداخلة من الأدوات العسكرية والاقتصادية والسياسية والإعلامية، ويُضاف إليها بشكل متزايد الفضاء السيبراني كجبهة خامسة لا تقل تأثيرًا عن غيرها. هذه التحولات لم تغيّر شكل الحروب فحسب، بل أعادت تعريف مفهوم "الانتصار” ذاته.
في هذا السياق، يظهر التباين بوضوح بين مقاربتين استراتيجيتين مختلفتين جذريًا.
فمن جهة، تميل الولايات المتحدة إلى الاعتماد على نموذج تقليدي مُحدّث، يقوم على التفوق الجوي، الضربات الدقيقة، والقدرة النارية العالية، مع افتراض ضمني بأن الحسم العسكري يمكن أن يُترجم تلقائيًا إلى مكاسب سياسية واقتصادية وإعلامية.
في المقابل، تتبنى إيران نموذجًا أكثر تعقيدًا ومرونة، يُعرف بالحرب الهجينة غير المتكافئة. هذا النهج لا يسعى إلى التفوق العسكري المباشر بقدر ما يهدف إلى إدارة الصراع عبر توزيع الضغط على مختلف المستويات. فالقوة العسكرية هنا تُستخدم كأداة ضمن حزمة أوسع، تشمل توظيف الجغرافيا، وتحريك الوكلاء، واستثمار الفضاء الإعلامي، فضلًا عن القدرات السيبرانية.
يبرز مضيق هرمز كأحد أهم مفاتيح هذه الاستراتيجية. فالممر الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية يمنح إيران قدرة كامنة على التأثير العميق في الاقتصاد الدولي. لا يتطلب الأمر إغلاقًا كاملاً للمضيق؛ إذ يكفي التهديد أو التعطيل الجزئي لإحداث اضطرابات حادة في أسواق الطاقة، ورفع الأسعار، وإرباك سلاسل التوريد، بما ينعكس مباشرة على معدلات التضخم والنمو في الاقتصادات الكبرى.
بهذا المعنى، تتحول الجغرافيا إلى أداة ردع استراتيجية ترفع كلفة أي مواجهة مفتوحة.
وتعزز إيران هذا النهج عبر بنية لامركزية عالية التكيف، تعتمد على شبكة من الحلفاء والوكلاء الإقليميين، إلى جانب أدوات منخفضة الكلفة وعالية الفاعلية مثل الطائرات المسيّرة، والهجمات السيبرانية المحتملة على البنى التحتية الحيوية. الهدف ليس تحقيق نصر تقليدي سريع، بل استنزاف الخصم، وإطالة أمد الصراع، ورفع كلفته السياسية والاقتصادية إلى مستويات غير قابلة للاستدامة.
في المقابل، تواجه الولايات المتحدة معضلة تتعلق بقدرتها على الحفاظ على زخم سياسي داخلي يدعم انخراطًا طويل الأمد، خاصة في ظل الإرث الثقيل للحروب السابقة، والانقسامات الداخلية، والحساسية تجاه الكلفة البشرية والاقتصادية.
وهو ما يعكس تحوّلًا أعمق في طبيعة القوة: إذ لم يعد التفوق العسكري وحده كافيًا، بل باتت القدرة على الصمود، وإدارة التعقيد، وتكامل الأدوات المختلفة، هي العامل الحاسم في ترجيح الكفة.
،يتجاوز التوتر في مضيق هرمز كونه أزمة إقليمية عابرة، ليشكّل نموذجًا مصغرًا لحروب المستقبل؛ حروب تُدار عبر الاقتصاد بقدر ما تُدار عبر السلاح، وعبر السرديات بقدر ما تُدار عبر الميدان، حيث يصبح التأثير غير المباشر أحيانًا أكثر حسماً من المواجهة المباشرة.


























