د. وليد العريض يكتب: 9 نيسان… يوم تُمنح فيه جائزة للفشل ويُتوَّج فيه الهاربون أبطالاً
نبأ الأردن -
في هذا العالم الذي فقد حياءه السياسي منذ زمن لم تعد الحروب تُحسم في الميدان بل في غرف التجميل الإعلامي، ولم تعد الهزائم تُعترف بها بل تُمنح أوسمة وتُعلّق على صدور أصحابها وكأنها إنجازات، حتى أصبح من الطبيعي أن يُعلن المنتصر قبل أن ينتصر وأن يُكتب بيان النصر قبل أن تجفّ دماء المعركة.
وقف البرتقالي كعادته فوق منصة الوهم يبيع للعالم خطاباً منتفخاً عن انتصارٍ لا وجود له، يتحدث بثقة تليق بتاجر بارع لا بقائد حرب وكأن الكلمات يمكن أن تُسقط دولة وأن التغريدة يمكن أن تعوّض فشلاً استراتيجياً كاملاً، لكنه في الحقيقة لم يكن يخاطب العالم بل كان يخاطب صورته في المرآة محاولاً إقناعها بأنه ما زال قادراً على التحكم بالمشهد.
وفي المقابل جاء ليُسقط المسرحية بجملة واحدة، لا مفاوضات ولا صفقة ولا حتى وهم قابل للتفاوض وكأن كل ما قيل لم يكن سوى ضجيجٍ بلا معنى، وهنا لم تسقط رواية سياسية فقط بل انهار معها بناء كامل من الادعاءات التي بُنيت على أساس القوة التي لم تُختبر إلا ففشلت.
أما من اعتلي منصة" ياهوا" فقد بدا كأنه ظلٌّ سياسي يتآكل أمام الضوء، الرجل الذي اعتاد أن يتحدث باسم القوة وجد نفسه عاجزاً عن حتى التواجد في لحظة الحسم وكأن إسرائيل التي أرادت أن تكون رأس الحربة تحولت فجأة إلى عبءٍ على المشهد، حضورها بات يحرج حلفاءها أكثر مما يخيف خصومها.
وفي زاوية أخرى من هذا العرض الكاشف يظهر اسم كإشارة إلى أن من عارض الحرب قد يكون هو من يُنهيها، وكأن العقل الذي تم تجاهله في البداية يعود الآن ليُنقذ ما يمكن إنقاذه بعد أن استُنزفت القوة في معركة لم تُحسن قراءة نهايتها.
ولا يكتمل المشهد دون المرور على الذي يعود دائماً حين تتحول السياسة إلى صفقات، حيث تختفي الشعارات الكبيرة وتظهر الحسابات الصغيرة وكأن الحروب لم تعد تُدار بالمبادئ بل بعقلية المقاول الذي يبحث عن أقل خسارة ممكنة بعد مشروعٍ فاشل.
وفي الخلف تُذكر لا كعاصمة دولة بل كعنوانٍ لمرحلة جديدة، مرحلة يُدار فيها الشرق الأوسط من خارج خرائطه التقليدية وكأن القرار لم يعد في تل أبيب ولا في واشنطن بل في أماكن لم تكن تُحسب سابقاً ضمن دوائر الفعل.
أما السوق فقد قال كلمته دون خطابة، انهارت الأسعار حين تحدثت واشنطن وارتفعت حين ردّت طهران وكأن البرميل أصبح أكثر نزاهة من السياسي، وكأن الاقتصاد قرر أن يفضح ما تحاول السياسة إخفاءه بكل هذا الإصرار.
وهنا تبلغ السخرية ذروتها قوة عظمى تدخل حرباً لتُعيد تشكيل المنطقة، ثم تخرج منها تبحث عن تسوية تحفظ ماء وجهها وتعيد تعريف الانسحاب على أنه انتصار، بينما الخصم الذي كان يفترض أن يُمحى من الخريطة يخرج واقفاً دون أن يطلب اعترافاً ودون أن يحتاج إلى تبرير.
وفي المشهد العربي تتجلى المأساة بصورتها الأوضح، حيث يكتشف الجميع أنهم لم يكونوا شركاء في القرار بل أدوات في تنفيذه وأن الخوف الذي بُنيت عليه التحالفات لم يكن إلا وهماً سياسياً تم تسويقه بإتقان، وأن اللحظة التي كان يمكن أن تُستثمر لصالحهم ضاعت لأنهم لم يكونوا يملكون قرارهم أصلاً.
أما إيران فقد اختارت أن تمارس أقسى أشكال السخرية، لم تحتفل ولم تُعلن نصراً بل تركت خصومها يتحدثون حتى انكشفوا وتركت الزمن يقوم بالمهمة، وكأنها فهمت أن أفضل طريقة للانتصار هي أن تترك خصمك يعلن هزيمته بنفسه دون أن يشعر.
وقبل إسدال الستارة سيخرج ليعلن النصر مرة أخرى وسيحاول أن يجد لنفسه مكاناً في الصورة، وستُوزع الجوائز وتُرفع الأعلام لكن أحداً لن يصدق لأن الحقيقة هذه المرة كانت فجّة أكثر من أن تُجمّل.
فما حدث لم يكن مجرد فشل بل كان سقوطاً مدوياً لمنظومة كاملة، ولم يكن مجرد تراجع بل انهياراً في القدرة على فرض الرواية، ولهذا فإن التاسع من نيسان لن يُذكر كيوم نصر بل كيوم حاول فيه العاجزون أن يُقنعوا العالم بأنهم انتصروا بينما كانوا يبحثون عن أقرب مخرج.
والتاريخ لن يرحم ولن يُجامل، سيكتب أن القوة التي ملأت العالم ضجيجاً سقطت في اختبار الصمود وأن من صمد بصمت كان أصدق من كل المدافع، وسيبقى السؤال معلقاً لا ليُجاب بل ليُذكّر الجميع بأن أكبر الهزائم هي تلك التي تُعلن على أنها انتصار.


























