م.صلاح طه عبيدات يكتب : عندما تسقط القيم تحت عباءة الفضيلة

م.صلاح طه عبيدات يكتب : عندما تسقط القيم تحت عباءة الفضيلة
نبأ الأردن -
في عمق التجربة الإنسانية، حيث تتقاطع القيم مع المصالح، ينكشف الوجه الحقيقي للأخلاق لا في الشعارات، بل في الامتحان. والامتحان الأشد قسوة ليس ما يأتي من الغريب، بل ما يتسلل من داخل الدائرة الأقرب: من روابط الدم، ومن ثقةٍ بُنيت على الفطرة، ثم انهارت تحت وطأة الطمع.
ليست المأساة في ضياع حقٍ مادي فحسب، بل في انكسار المعنى الذي كان يمنح هذا الحق قدسيته. فحين يُسلب الإنسان نصيبه، لا يُجرّد من المال فقط، بل يُجرّد من شعوره بالعدل، ومن يقينه بأن العالم ما يزال محكومًا بميزان أخلاقي يمكن الركون إليه. هنا يتحول الظلم من حادثة عابرة إلى خللٍ في بنية الوعي الجمعي، إلى تصدّعٍ في فكرة "الخير” ذاتها.
إن أخطر أشكال الظلم ليست تلك التي تُرتكب في العلن، بل التي تُغلّف بلغة الفضيلة. حين يُقدَّم التنازل بوصفه سموًّا، وهو في حقيقته إكراهٌ ناعم، وحين يُستدعى الدين ليكون غطاءً لمصالح ضيقة، فإن القيم تتحول من معايير للحق إلى أدوات للهيمنة. وهنا لا يعود السؤال: من أخذ الحق؟ بل: كيف أُعيد تعريف الحق حتى يُبرَّر أخذه؟
في هذا السياق، يغدو الظلم أكثر تعقيدًا، لأنه لا يظهر كعدوان صريح، بل كاختلالٍ في التأويل. يُعاد تشكيل المفاهيم بحيث يُصبح التنازل فضيلة، والصمت حكمة، والسكوت عن الحق حفاظًا على الروابط. غير أن هذه الصياغات، مهما بدت نبيلة، تخفي في جوهرها انحرافًا عميقًا: استبدال العدل بالمجاملة، والحق بالتماسك الزائف.
والواقع أن العدالة لا تتجزأ. لا يمكن لمجتمع أن يرفع رايات القيم في الفضاء العام، ثم يسمح بانهيارها في المجال الخاص. فالمعيار الأخلاقي الذي لا يصمد داخل الأسرة، لن يكون أكثر صلابة خارجها. وإذا كان البيت هو الخلية الأولى للمجتمع، فإن اختلال ميزان العدل فيه يعني بالضرورة اختلاله في كل البنى التي تتفرع عنه.
ليست القضية في تحوّل الأحوال، ولا في انتقال الناس من حالٍ إلى حال، فذلك من طبيعة الحياة. إنما الإشكال في أن تتحول المعاناة إلى مبررٍ لإنتاج ظلمٍ جديد. أن يُستبدل موقع الضعف بموقع القوة، دون أن يصاحبه ارتقاء أخلاقي، بل يُعاد فيه إنتاج القهر بأدوات مختلفة. هنا لا يتحقق التعويض، بل يتكرر الخلل في صورة أخرى.
إن الحق، في جوهره، ليس ملكية مادية فقط، بل هو علاقة أخلاقية تربط الإنسان بغيره، وتربطه بذاته. ومن يعتدي على هذا الحق، إنما يخلّ بهذه العلاقة على مستويين: يظلم الآخر، ويشوّه ذاته. فالإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يَعدل. وكل مالٍ يُكتسب على حساب العدالة، إنما يحمل في داخله بذرة قلقٍ لا تزول، ولو أُحيط بكل مظاهر الرفاه.
ومن هنا، فإن ردّ الحقوق ليس إجراءً قانونيًا فحسب، بل هو فعل تطهّر أخلاقي. هو استعادة للتوازن الذي اختلّ، وتصحيح لمسارٍ انحرف. وليس في ذلك فضلٌ يُمنح، بل واجبٌ يُؤدّى. لأن الحقوق، مهما طال عليها الزمن، لا تفقد حقيقتها، ولا تسقط من ميزان العدالة، حتى وإن سقطت من حسابات البشر.
يبقى السؤال الجوهري: ما قيمة القيم إذا لم تُختبر في لحظة الإغراء؟ وما معنى الإيمان إن لم يكن قادرًا على كبح نزعة التملك حين تتعارض مع الحق؟ إن الامتحان الحقيقي ليس في إعلان المبادئ، بل في القدرة على التضحية بالمصلحة حين تصطدم بالعدل.
 لا ينهار المجتمع حين يكثر الفقر، بل حين يختلّ ميزان الإنصاف. ولا تضيع الحقوق لأنها خفيت، بل لأنها عُرفت ثم أُهملت. والإنسان، في كل ذلك، يقف أمام مرآة ذاته: إما أن يختار أن يكون حارسًا للعدل، أو شريكًا في تقويضه.
إن العودة إلى جوهر الأخلاق ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية. أن يُعاد الاعتبار للحق بوصفه حقًا، لا بوصفه خيارًا. وأن يُفهم العدل لا كقيمة مثالية، بل كأساسٍ لا تقوم الحياة بدونه. لأن ما يُبنى على الظلم، مهما بدا ثابتًا، يحمل في داخله بذور سقوطه.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions