د. عبدالله محمد القضاه يكتب : الأردن وسياسة الحياد السيادي: بين ضرورات الأمن وحكمة الدولة

د. عبدالله محمد القضاه يكتب : الأردن وسياسة الحياد السيادي: بين ضرورات الأمن وحكمة الدولة
نبأ الأردن -
يواجه الأردن، في ظل التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تحديات وجودية تمس أمنه الوطني واستقراره الداخلي. يتطلب هذا الوضع تحركاً استراتيجياً فورياً للانتقال من حالة "الترقب الحذر" إلى "الحياد السيادي المعلن"، لضمان عدم انجرار المملكة إلى صراع لا يخدم مصالحها العليا ويحفظ سيادتها.
إن مفهوم الحياد السيادي النشط  ،يمثل إطاراً قانونياً يمنح المملكة الحق في الدفاع عن حدودها مع الامتناع عن المشاركة في العمليات القتالية الهجومية. لتحقيق ذلك، يتوجب على الأردن إيداع مذكرة رسمية لدى مجلس الأمن الدولي تعلن فيها "الحياد الدائم" تجاه الصراع الحالي. يوفر هذا الإجراء غطاءً قانونياً دولياً يحمي الأردن من الضغوط الخارجية، تفعيلاً لاتفاقية لاهاي لعام 1907 التي تنظم حقوق وواجبات الدول المحايدة، وبالتالي إلزام الأطراف المتحاربة باحترام حرمة الأراضي والأجواء الأردنية.
من الضروري مراجعة بروتوكولات الدفاع الموقعة مع الولايات المتحدة، خاصة اتفاقية عام 2021، للتأكيد على أن هذه البروتوكولات لا تشمل العمليات الهجومية وتمنع استخدام القواعد الأردنية كمنطلق لأي هجمات. هذا التوضيح يعزز موقف الأردن الحيادي ويضمن عدم تورطه في صراعات إقليمية لا تعنيه بشكل مباشر.
على الصعيد العملياتي، ولحماية السيادة الوطنية، نقترح إعلاناً رسمياً للعالم يبرهن لجميع الأطراف أن الأردن ليس طرفاً في النزاع. تجسيداً لمبدأ السيادة الجوية، يجب أن يعلن الأردن بوضوح أن أجواءه ليست ساحة لتصفية الحسابات، وأن أي اختراق سيتم التعامل معه كعدوان مباشر بغض النظر عن مصدره. تتخذ عدة إجراءات لتنفيذ هذا المبدأ، منها: إغلاق المجال الجوي أمام كافة الطائرات العسكرية والمسيرات التابعة للأطراف المتحاربة، تعزيز الدفاعات الحدودية من خلال نشر وحدات إضافية لتأمين كافة الإتجاهات الإستراتيجية، الرقابة على المنشآت المشتركة من أجل ضمان أن التواجد العسكري الأجنبي (الأمريكي) يقتصر على المهام التدريبية والدفاعية المتفق عليها مسبقاً، دون الانخراط في أعمال قتالية إقليمية.

أما بخصوص الإستراتيجية الإعلامية والخطاب الوطني، تتطلب المرحلة الراهنة توحيد الرواية الرسمية والشعبية لتقليل الاحتقان الداخلي ومنع استغلال الصراع من قبل أطراف خارجية. يركز الخطاب الموجه للداخل على مبدأ "الأردن أولاً"، وأن حماية المكتسبات الوطنية تفوق أي اعتبارات أخرى. أما الخطاب الموجه للخارج، فيؤكد أن الأردن لن يكون ساحة حرب أو ممراً للهجمات، مع الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع أطراف الصراع لغايات التهدئة فقط.
إنسانيا؛ يمكن للأردن التأكيد على دوره التاريخي كمركز إنساني ودبلوماسي، بديلاً عن الانخراط العسكري. يمكن للمملكة أن تقدم نفسها كـ "منطقة خضراء إقليمية"، تحولها إلى مركز لوجستي دولي للمساعدات الإنسانية للمتضررين من الحرب. إضافة إلى ذلك، يمتلك الأردن القدرة على لعب دور الوسيط الموثوق "لنقل الرسائل بين الأطراف" لتخفيض فرص التصعيد الشامل، على غرار النموذج العُماني الذي أثبت فعاليته في هذا المجال.
يجب على الأردن تعزيز استراتيجية التوازن الذكي التي يستخدمها في مواجهة الضغوط من حلفائه ومن أطراف الصراع. فالمادة (3) من اتفاقية الدفاع لعام 2021 تمنح الأردن السيادة الكاملة على المرافق، وأن العمليات القتالية تتطلب موافقة مسبقة. لمواجهة الضغوط الإيرانية، يجب التأكيد لطهران أن الحياد الأردني يخدم استقرار المنطقة، وأن التصدي للمسيرات هو دفاع عن السيادة وليس انخراطاً في الحرب. أما الضغوط الإسرائيلية، فتواجه برفض أي استخدام للمجال الجوي الأردني للعمليات العسكرية، مع التمسك بالوصاية الهاشمية على المقدسات كخط أحمر لا يمكن تجاوزه.
إن إعلان الحياد ليس ضعفا، بل هو ممارسة سيادية عليا تهدف إلى حماية الدولة في ظل التوازنات الإقليمية، وهنا أقترح  مايلي:
أولا: إصدار ميثاق الحياد الوطني الأردني، عبر وثيقة توافقية توقعها القو السياسية والعشائرية لتعزيز الجبهة الداخلية.
ثانيا: تحويل الأردن إلى " سويسرا الشرق" من خلال إستثمار الموقع الجيوسياسي كمنطقة عازلة ومركز للوساطة والعمل الإنساني.
ثالثا: إطلاق مسار دبلوماسي عربي متزامن مع السعودية ومصر وقطر والإمارات، يقوم على: وقف التصعيد، حماية المدنيين، حماية المياه والطاقة والممرات الجوية، ومنع تحول الأردن إلى ساحة ارتداد. هذا ليس مجرد موقف أخلاقي؛ فالخطر الإقليمي صار يشمل الطاقة والمياه والطيران والاستقرار الاقتصادي.
رابعا: التنسيق مع الدول المحايدة ، من أجل بناء تحالف للضغط دوليا من أجل وقف التصعيد.
ختاما، رسالة الأردن يجب أن تبقى واضحة وحاسمة" الأردن ليس طرفًا في هذه الحرب، ولن يكون ساحة لها. أولويتنا حماية السيادة الوطنية، وأمن المواطنين، واستقرار الإقليم، مع الاحتفاظ بحقنا الكامل في الدفاع عن أنفسنا وفق القانون الدولي".
*خبير إستراتيجي وتطوير مؤسسي/ أمين عام سابق
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions