رولا فايق نصراوين تكتب: بين صوت السنهدرين وضجيج المؤتمرات: المسيح لا يُقاس بجنكيزخان
نبأ الأردن -
ماذا لو كان القديس بطرس حاضرًا في المؤتمر الصحفي الذي عقده طاغية العصر بنيامين نتنياهو في منشأة محصّنة تحت الأرض في القدس، محاطًا بأضواء الكاميرات وغياب لجمهور الصحفيين بينما يحاول أن يُقنع العالم بأن القوة معيار الحقيقة محاولاً بذلك إضفاء شرعية سياسية على الجُرم وتبرير الهيمنة باسم التاريخ والدين؟!
كيف كان سيرى ذلك الرسول الصلب، الجريء في إعلانه، المندفع في غيرته، القائد الذي لم يخف المواجهة، الشاهد الذي لا يتزعزع للحق، ذاك الذي وقف أمام السنهدرين (وهو المجلس الأعلى اليهودي في العصر القديم، وكان يشكّل السلطة القضائية والدينية العُليا في اليهودية في ذلك الوقت) وقال متحديًا: «يَنبَغي أنْ يُطاعَ اللهُ أكثَرَ مِنَ النّاسِ» (أعمال 5: 29)، تصريحاتٍ المجرم نتنياهو والتي تُقحِم السيد المسيح في مقارنةٍ مع واحدٍ من أكثر قادة التاريخ اقترانًا بالعنف والدمار وسفك الدماء والغزو وبناء الإمبراطوريات على أنقاض المدن والشعوب، المغولي جنكيز خان؟!
أي نار كانت ستشتعل في قلب بطرس وهو يسمع هذا الانحراف الأخلاقي الذي خلط بين وداعة المعلّم وجُرم الفاتح؟ وأيُّ حقٍّ يبقى إذا ما اختلطت معايير السماء بضجيج السيوف المغتصبة وتبريرات البطش؟
المسيح الذي قبل الجلد والصلب واللطم والإهانة، والذي دعا شعبه: «تَعلَّموا مِنّي، لأنّي وَديعٌ ومُتواضِعُ القَلب» (متى 11: 29)، لا يمكن أبداً أن يُقارن بتاريخ امتلأ بالدماء والغزو وبسطوة السيف... أي لغة هي تلك التي تتختزل رحمة السماء بسطوة القتل والسفك والدمار؟ أي معايير هي تلك تضع الحق والرحمة والتواضع والسلام مع البطش والابادة والقتل والهيمنة؟!
وهنا تأتي خطورة ما حدث في مؤتمر 19 آذار 2026؛ فالكلمات التي قالها النتنياهو لم تكن عرضًا تاريخيًا، ولا تحليلًا سياسيًا بريئًا، بل بدت محاولة لإعادة تعريف القوة ضمن إطار يسمح بتبرير العنف، عبر تشبيه المسيح - رمز المحبة - بجنكيز خان - رمز الغزو والدمار. محاولة منه للتأكيد على روايته الصهيونية المتكررة وتوظيفها في خدمة خطاب عنصري مبني على الحُلم التاريخي لليهود في أرض الميعاد.
إن المقارنة التي صدرت في هذا المؤتمر ليست مجرد تصريح عابر، بل علامة على ازدراء عميق للإيمان المسيحي، وفيها ما يكفي من التحقير ليجرح وجدان ملايين المؤمنين في بلادنا؛ فهي لا تسيء إلى المسيح فحسب، بل تحاول تفريغ رسالته من جوهرها، وتعيد صياغتها لخدمة سرديات القوة والهيمنة وإعطاء العنف شرعية مزعومة باسم التاريخ والسيادة.
والأخطر من ذلك أنّ هذا التصريح لا يجوز، ولا ينبغي، أن يمرّ مرور الكرام على العالَم الغربي، وبخاصة الولايات المتحدة الامريكية والدول الأوروبية التي تدعم الحرب القائمة، سياسيًا أو عسكريًا أو إعلاميًا؛ فحين يُمسّ المسيح نفسه بمثل هذا التشويه، فإنّ المسؤولية الأخلاقية لا تقع على قائل العبارة وحده، بل تمتد إلى كل منظومة دولية تتجاهل ذلك، أو تصمت عنه، أو تبرر سياقاته. إنّ إساءة كهذه تتطلب موقفًا صريحًا من تلك الدول التي تدّعي الدفاع عن الحريات الدينية وكرامة الإنسان.
لو كان القديس بطرس حاضرًا هذا المؤتمر العتيد...!! كان قلبه سيترجف بين نور الكاميرات وظلال السياسة المشوّهة، وعقله سيرتبك لشدة وغرابة الكلمات التي حاولت تطويع السماء لخدمة أجندات الشر، كان سينتفض للحق دون خوف، ويعلن موقفه بثبات لا يلين، سيرفع سيفه من غمده ويقطع به لسان **عبد عظيم الأحبار الجديد نتنياهو..!!!
للتنويه:
**عبد عظيم الأحبار في ذلك الوقت مذكور بالكتاب المقدس في الليلة التي قُبض فيها على السيد المسيح لمحاكمته وكان اسمه مالخوس وهو عبد تابع لرئيس الكهنة في مجمع السنهدرين.


























