د.نضال المجالي يكتب: عندما يدير المجانيين جدول أعمال العالم اليومي

د.نضال المجالي يكتب: عندما يدير المجانيين جدول أعمال العالم اليومي
نبأ الأردن -
في الحكايات القديمة كان المجنون إذا رمى حجرا في بئر، احتاج القرية كلها لتخرجه. أما في زمننا الحديث، فقد تطورت الأمور قليلا: المجنون لم يعد يرمي حجرا، بل صاروخا في البحر – اقصد السماء-. والمشكلة ليست في الصاروخ، بل في أن العالم كله يقف على الحافة يتجادل: هل نخرجه أم نتركه؟ والأدهى من ذلك أن لا أحدا يبدو عاقلا بما يكفي ليقرر.

هكذا تبدو الصورة عندما ننظر إلى مشهد التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران. صاروخ سياسي هنا، وتهديد عسكري هناك، وتصريح ناري كل صباح. الجميع يتحدث عن "الردع” و"الهيبة” و"الخطوط الحمراء”، لكن لا أحدا يملك خريطة واضحة لنهاية الطريق. كأن العالم دخل لعبة شطرنج، لكن اللاعبين يتصرفون كما لو كانت لعبة نرد.

في هذا المشهد، تظهر عقلية ترامب السياسية كأنها محاولة لإدارة السياسة الدولية بعقلية رجل صفقات يقف في سوق مزدحم. رفع السقف، ثم رفعه أكثر، ثم التهديد بإغلاق السوق كله إذا لم يعجبه السعر. المشكلة أن السوق هنا ليس بورصة عقارات، بل منطقة تعيش فوق برميل بارود، وكل صفقة مؤجلة قد تتحول إلى شرارة.

أما إيران، فترد بطريقتها المعروفة: تخبط عسكري وجبهات في كل اتجاه، واحيانا رد استراتيجي في العلن، والاكثر رسائل متعددة الاتجاهات في الخفاء. لا حرب كاملة، ولا سلام واضح، بل منطقة رمادية تشبه ضباب الصباح؛ ترى فيها أشكالا تتحرك، لكنك لا تستطيع الجزم إن كانت أشجارا أم دبابات.

والنتيجة أن العالم يقف حائرا أمام سؤال بسيط ظاهريا: متى تنتهي هذه الحرب الباردة الساخنة؟ لكن السؤال الحقيقي أصعب بكثير: مع من يمكن الجلوس أصلا؟ السياسة في هذا المشهد تشبه محاولة التفاوض مع موج البحر؛ كلما ظننت أنك اقتربت من الشاطئ، تكتشف أن الموجة التالية بدأت.

لهذا لا أحد يستطيع تحديد موعد لنهاية التصعيد. لأن النهاية تحتاج إلى عاقل قوي يضع يده على الطاولة ويقول: كفى. لكن الطاولة مزدحمة باللاعبين، وكل واحد منهم يعتقد أن الجنون تكتيك ذكي.

وهكذا يبقى الصاروخ في السماء معلقا. لا أحد يعلم موقع سقوطه، ولا أحد يعترف أنه أطلقه، بينما تتسع الدائرة حوله: توتر في الأسواق، قلق في العواصم، وشعوب تدفع ثمن لعبة لا تعرف حتى قواعدها.

ربما المشكلة ليست في الصاروخ.

المشكلة أن السماء أصبحت كبيرة… والعقلاء أصبحوا نادرين.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions