عاطف أبو حجر يكتب: ماراثون العيد

عاطف أبو حجر يكتب: ماراثون العيد
نبأ الأردن -
مع إعلان أول أيام العيد، تدخل العائلات حالة طوارئ اجتماعية قصوى، وتبدأ "خطة الماراثون” المعتمدة رسميًا: زيارات متبادلة، قهوة إلزامية، ومعمول متداول كأنه عملة وطنية. العيد هنا ليس مجرد مناسبة دينية… بل تجربة اجتماعية كاملة لاختبار قدرتك على التحمل: كم مرة يمكنك أن تقول "كل عام وأنتم بخير” بنفس الحماس؟ وكم فنجان قهوة يمكنك شربه قبل أن تبدأ بمراجعة قراراتك الحياتية؟ كل شيء محسوب بدقة… حتى الضحكات، فهي تُصرف بحذر وعلى جرعات.

تبدأ خطة الجولات المحكمة: زيارةٌ أولى عند بيت الجد والجدة، حيث تُسكب القهوة وكأنها واجب وطني، ويُقدَّم الشاي كخطة احتياطية، ويظهر المعمول في صحنٍ يعرف طريقه إلى كل البيوت بلا استثناء، حتى تكاد تظن أنّ له جواز سفر خاصًا.

نجلس… نتبادل نفس العبارات: "كل عام وأنتم بخير”، "كيف هالبرد والرعود؟ والله بطلنا نميز صوت الرعد من صوت الصاروخ!”، "كيف الأولاد؟”، "شو أخبار الدراسة؟” ثم ندخل في صمتٍ تأمّلي عميق، تقطعه صفارات الإنذار، وكأنها تعزف لحن "الزيارة الرسمية رقم ١”.

نعايد الأطفال، نوزّع العيديات بدقة محاسبٍ قانوني، نبتسم ابتسامة مدروسة، ثم نغادر… لنكتشف بعد ساعة أن نفس الوفد الذي زرناه قد تحرّك إلينا، وكأننا في مباراة ذهاب وإياب!

يدخلون، نجلس في نفس الأماكن تقريبًا، بنفس ترتيب الجلسة، بنفس الأحاديث، بنفس النكات التي لم تعد تضحك أحدًا، ونقدّم لهم نفس القهوة، نفس الشاي، ونفس المعمول الذي ربما دار دورة كاملة وعاد إلى أصحابه الأصليين دون أن يشعر.

أما العيديات… فهنا تبلغ الكوميديا ذروتها: يعطي ابنك دينارًا، فيأخذه بابتسامة عريضة، ثم بعد قليل تعيد نفس الدينار لابنه، وكأنك تقول له: "أمانة عندك… رجّعها بسرعة!” عملية مالية مغلقة، لا ربح فيها ولا خسارة، لكنها تحافظ على التوازن الاقتصادي العائلي!

وفي زاوية أخرى من المشهد، يظهر نوعٌ خاص من الرجال… الرجل "غير المخوّل بالقرار”.
هذا المسكين قد يفكر بزيارة أخته أو ابنته، فينظر أولًا إلى الجهة المختصة في البيت باتخاذ القرار، وأعني المدام طبعًا.

تأتيه التعليمات واضحة لا لبس فيها: "إياك تمدّ على أختك أكثر من عشرة دنانير!”، "وإذا قالت لك: ما بدي… عطول اغرش ورجّعهم على جيبتك!”

فيتحوّل الرجل إلى موظف تحويلات مالية، ينفّذ الأوامر بدقة، ويعيش صراعًا داخليًا بين صلة الرحم… وسلطة "الميزانية المنزلية العليا”.

وهكذا يستمر العيد: زيارات متبادلة، نفس الجلسات، نفس الأحاديث، نفس النظرات التي تقول: "إحنا لسه هون؟” لكن رغم كل هذا التكرار المضحك، يبقى في الأمر دفءٌ خفي… فهذه الطقوس، على بساطتها وسخريتها، هي الخيط الذي يربط العائلة ببعضها، حتى لو كان مربوطًا بفنجان قهوة ومعمولٍ دار نصف المدينة!

فكل عام وأنتم بخير… في ماراثون العيد،
وزياراتكم "مبرمجة”… وعيدياتكم "راجعة لأصحابها”!
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions