م صلاح طه عبيدات يكتب: إلى أمي
نبأ الأردن -
أمي…
أيّ معنىً هذا الذي يبدأ بكِ ولا ينتهي؟
كأنكِ لستِ لحظةً في الزمن، بل الزمنُ نفسه حين يلين، ويمنحنا فرصةً أخرى لنكون أقلّ قسوة على قلوبنا.
كنتِ البسمةَ الأولى… نعم، لكنّ الأمر أعمق من ذلك؛
كنتِ التعريف الأول للطمأنينة،
المعادلةَ الخفية التي تعيد ترتيب الفوضى في داخلي كلما اضطرب العالم.
حضنكِ لم يكن دفئاً عابراً،
بل كان قانوناً كونياً:
أن يُعاد تشكيل الإنسان من الخوف إلى الأمان… دون مقابل.
وذاك القلق الذي يسكن ملامحكِ…
لم يكن ضعفاً كما ظننته صغيراً،
بل كان أعلى درجات القوة،
قوة أن يُقيم إنسانٌ حياته على حافة قلبٍ آخر.
حين كنتُ أمرض…
لم تكن حرارتي تؤلم جسدي فقط،
بل كانت تمتدّ إليكِ كأننا كيانٌ واحد،
وكأن الله قد قسّم الألم بيننا بعدلٍ لا يُرى.
وحين نجحتُ…
كنتِ تفرحين كما لو أن التاريخ يُعاد كتابته باسمكِ،
كأن كل انتصارٍ لي… كان اعترافاً متأخراً بعظمة قلبكِ.
واليوم…
وقد بلغتُ من العمر ما يجعلني شاهداً على تقلّبات الحياة،
أكتشف أنني لم أكبر كما كنتُ أظن…
ففي حضرتكِ، تسقط كلّ الأعمار،
وأعود ذلك الطفل الذي يركض حولكِ،
يتخبّط ببراءته، ويهتدي برائحتكِ.
رائحة الخبز…
ليست مجرد ذاكرة،
إنها فلسفة البقاء،
أن تمنح الحياة معناها من أشياء بسيطة، صنعتها يدٌ تحبّ بصمت.
أمي…
أقف بين فرحٍ بكِ وخوفٍ عليكِ،
وكأن الحبّ الحقيقي هو هذا التناقض النبيل:
أن نبتسم لأنكِ معنا،
ونرتجف لأن الزمن لا يُؤتمن.
فكيف أبدأكِ؟
وأنتِ البداية…
وكيف أنهيكِ؟
وأنتِ المعنى الذي لا يقبل النهايات…


























