د. بشير الدعجه يكتب: قراءة تحليلية للبيان العسكري: الجيش الأردني يحوّل السماء إلى مصيدة لا تُخترق ويكسر كل تهديد
نبأ الأردن -
البيان العسكري المشترك الصادر عن القوات المسلحة الأردنية ومديرية الأمن العام ليس مجرد نشر أرقام بل وثيقة استراتيجية تكشف المشهد الكامل لمعركة حقيقية تدور في طبقات السماء فوق المملكة… كشف فيه الجيش عن كل تفاصيل الاعتراض والتدمير ونسبة النجاح والإقرار بالهدف الواحد الذي لم يُعترض، وهو اعتراف نادر في البيانات العسكرية حول العالم… شفافية لم تأتِ للتجميل الإعلامي بل كأداة استراتيجية للردع والطمأنة في الوقت ذاته.
الرقم الأكثر إثارة للدهشة في البيان هو اعتراض 35 هدفًا من أصل 36 تهديدًا منخفض الارتفاع… أي نسبة نجاح تقارب 97%… هذه النسبة ليست مجرد أداء تقني بل تعكس تفوقًا تكتيكيًا استثنائيًا في بيئة عملياتية شديدة التعقيد… الطيران المنخفض للصواريخ والمسيرات يقلل من زمن الاكتشاف ويستغل التضاريس، ما يجعل كل ثانية في اتخاذ القرار حرجة، ومع ذلك أثبت الجيش الأردني أن منظومته تعمل وفق مبدأ السيطرة المسبقة والسبق العملياتي: رصد مبكر… قرار سريع… اعتراض دقيق… ثلاثية تضمن إسقاط الهدف قبل أن يقترب من الأرض.
التحليل العسكري العميق يظهر أن هذا الطيران المنخفض لم يكن عبثيًا، بل تكتيك اختبار مقصود من الخصم لقياس قدرة الدفاع الأردني… قياس سرعة الرصد… تقييم دقة الاشتباك… اختبار تنسيق الرادارات والطائرات المقاتلة… وكل محاولة فشلت… هذه النسبة 97% تثبت أن أي بيانات استخباراتية للعدو أصبحت بلا قيمة، وأن السماء الأردنية لم تعد مجرد فضاء جوي بل بيئة اعتراض متكاملة وذكية.
عالميًا، إذا قارنا هذه النسبة مع قدرات دول متقدمة في الدفاع الجوي، نجد أن منظومات مثل باتريوت الأمريكية أو إس-400 الروسية تحقق نسب اعتراض تتراوح بين 80% و90% في ظروف مثالية، وغالبًا على أهداف عالية ومتوسطة الارتفاع… أما الاعتراض على تهديدات منخفضة الارتفاع ومتعددة الاتجاهات كما حصل في الأردن فهو إنجاز نادر عالميًا ويضع الأردن في مصاف الجيوش القادرة على إدارة تهديدات معقدة ومزدوجة النوع.
البيان كشف كذلك عن تكامل استثنائي بين القوات المسلحة والأمن العام… السماء تُدار بعقلية عسكرية متقدمة… الأرض تُدار بانضباط أمني كامل… اعتراض الطائرات والصواريخ… معالجة البلاغات… تحذير المواطنين… تفتيش الشظايا… كل ذلك ضمن منظومة واحدة… ما يفسر انخفاض الإصابات رغم كثافة الهجمات: 114 بلاغًا هذا الأسبوع… 414 منذ بداية الحرب… و24 إصابة فقط غادرت جميعها المستشفيات… أي أن الاستراتيجية لم تحسم في الجو فقط بل تمت إدارتها على الأرض بكفاءة عالية.
وأشار البيان المشترك إلى خطورة تداول الشائعات والأخبار المضللة خلال أوقات الأزمات… فالبيان ركّز على أن جميع المعلومات الدقيقة عن الصواريخ والمسيرات ومتساقطاتها يتم نشرها فقط من خلال المصادر الرسمية، مؤكّدًا على ضرورة الالتزام بالتعليمات والإرشادات الصادرة عن الجهات المختصة، وعدم الاقتراب من أي أجسام غريبة أو شظايا… فالشائعات، كما يؤكد البيان، تزيد من الهلع وتعيق عمل الدفاع المدني والأمن العام، وتضع حياة المدنيين في خطر… وفي هذا السياق، شدد البيان على أهمية الإبلاغ الفوري عن أي جسم مشبوه عبر رقم الطوارئ 911، مؤكدًا أن التعامل مع المعلومات الرسمية يعزز القدرة على السيطرة على الوضع ويمنع استغلال أي تهديد جوي للتأثير النفسي على المواطنين… وهو مؤشر آخر على أن الجيش الأردني والأمن العام لا يدافعان فقط بالأسلحة بل يديران الأزمة إعلاميًا وتكتيكيًا بحكمة عالية.
البيان أظهر أيضًا حسن التخطيط المستمر واستدامة الأداء تحت ضغط متكرر… 240 تهديدًا منذ بداية الحرب… تم اعتراض 222 منها… بنسبة أكثر من 92% على مدى أسابيع… هذه ليست مجرد نجاح عابر، بل قدرة على الحفاظ على مستوى اعتراض مرتفع باستمرار مع تقليل الأثر على المدنيين… أي أن الأردن لم يقف عند الدفاع بل فرض معادلة ردع متكاملة وجاهزية دائمة.
قراءة المشهد العسكري تكشف أيضًا أن الهدف الواحد الذي لم يتم اعتراضه ليس ضعفًا بل جزء من منهجية عملياتية دقيقة، يعرف عسكريًا بـ”الاستثناءات المضبوطة للتحقق من فعالية النظام”… لكن المعطيات الميدانية أثبتت أن أي أثر على الأرض كان شبه معدوم… وهذا يظهر فعالية إدارة الأزمات والسيطرة على كل طبقة من طبقات المعركة.
من منظور استراتيجي، البيان يعكس عقلية الدفاع الأردني المتقدمة: الاعتراض ليس مجرد إسقاط تهديد… بل تحويل السماء إلى منصة مراقبة واختبار مستمر للخصم… كل اعتراض ناجح يعني أن أي محاولة استخباراتية للعدو ستفشل قبل أن تنتج معلومات دقيقة… وكل هدف تم إسقاطه هو رسالة ردع صارمة.
على المستوى العالمي، معظم الجيوش تتحدث عن نسب اعتراض بين 60-85% عند مواجهة هجمات كثيفة ومتعددة المسارات… الأردن حقق 97% على أهداف منخفضة الارتفاع، و92% على المدى الطويل منذ بداية الحرب… أي أن أداؤه ليس ممتازًا فقط، بل يتجاوز كثيرًا المعايير الدولية لمواجهة التهديدات الجوية الحديثة، بما فيها الصواريخ والمسيرات المتطورة… وهذا إنجاز احترافي وعسكري نادر جدًا.
البيان المشترك يعكس كذلك بعدًا تكتيكيًا نفسيًا… الشفافية في الإعلان عن الاعتراض والهدف الواحد الذي فشل لم تكن مجرد صدفة، بل رسالة مزدوجة: للمواطن، أن الدولة تعمل بكفاءة ووضوح… وللعدو، أن أي اختراق سيكون محدود الأثر ولن ينتج معلومات موثوقة… هذا يعكس ذكاءً استراتيجيًا نادرًا في إدارة الحرب الإعلامية والتكتيكية في الوقت نفسه.
الخلاصة العسكرية النهائية: الأردن لم يكتفِ بالدفاع عن سمائه… بل حوّلها إلى درع متحرك كامل السيطرة، قادر على صد كل تهديد قبل أن يلامس الأرض… شفافية مطلقة في الإعلان… احترافية في الأداء… صلابة في النتائج… ونسبة اعتراض مذهلة تصل إلى 97%… إشراف كامل… ردع مطلق… وسيطرة جوية مستمرة… وهذا ليس مجرد رقم بل معادلة ردع جديدة تُدرس عالميًا وتثبت أن السماء الأردنية ليست هدفًا سهلاً لأي عدوان...
#د. بشبر _الدعجه


























