د. وليد العريض يكتب : الكرامة ذاكرة الزمن الذي لا يموت

د. وليد العريض يكتب :  الكرامة ذاكرة الزمن الذي لا يموت
نبأ الأردن -
بين ضفّتَيْ النهر… الكرامة لا تُوقّع والذاكرة لا تُطبِّع

في ذكرى اليوم الذي غسلت فيه الكرامةُ وجعَ الهزائم، وكتبت بداية الاستعادة
في مثل هذا اليوم…
لم يكن آذار شهرًا عابرًا،
بل كان موعدًا مع الغُسل الكبير…
غُسل الهزائم التي علقت في الذاكرة منذ 48 و67،
كأنها غبارٌ ثقيل على وجه الأمة.

جاءت الكرامة…
لا لتنتصر فقط،
بل لتُعيد تعريف الإنسان العربي لنفسه:
ليس مهزومًا،
بل مؤجَّل النصر.

عند النهر…
حيث أرادوا له أن يكون حدًّا بين الخوف والرجاء صار شاهدًا على لحظة انقلاب المعنى.

جيشٌ أردنيٌّ يقاتل بعقيدة الأرض
ومقاومةٌ فلسطينية تقاتل بعقيدة العودة
فامتزجت العقيدتان…
وصارتا عقيدة واحدة:
التحرير.
لا تفاوض على الذاكرة
ولا مساومة على الدم
ولا تطبيع مع من لم يتوقف عن الجريمة.

في ذلك اليوم…
لم تُهزم قوة عسكرية فقط،
بل سقطت أسطورة.
أسطورة "الجيش الذي لا يُقهر"،
وأسطورة "الهزيمة قدر"،
وأسطورة "لا خيار إلا الاستسلام".
الكرامة قالتها بوضوح:
هناك خيار آخر…
اسمه المقاومة.

يا لسخرية ما تلا ذلك اليوم…
من رأى النهر يبتلع الغزاة
عاد ليقول لنا:
"جرّبوا السلام مع الذئب."
من شهد الرصاصة وهي تُعيد التوازن
صار يُقنعنا أن الحبر أقوى من الدم.
أيّ سلامٍ هذا
الذي يُطلب من الضحية أن تبدأه بالنسيان؟
وأيّ تعايشٍ هذا
الذي يُبنى على ذاكرةٍ مبتورة؟
الكرامة لم تكن معركةً عابرة،
بل كانت… غُسلًا تاريخيًا.
غسلت عار 48…
حين سُرقت الأرض.
وغسلت وجع 67…
حين تكسّرت الثقة.
وأعادت للأمة صورتها في المرآة:
أمةٌ تقاتل… لا تستسلم.
وهنا…
تسقط كلّ أوهام التطبيع.
لأن من ذاق طعم الكرامة
لا يقبل فتات الطاولات.
ومن جرّب أن يهزم
لا يصدّق أن الاستسلام حكمة.

التطبيع ليس سياسة،
بل خيانة للذاكرة.
والذاكرة…
في هذه الأمة
أشدّ صلابةً من كلّ اتفاق.

بين الضفّتَيْن…
لم تكن هناك حدود
بل قلبٌ واحد.
جيشٌ من هنا،
ومقاومةٌ من هناك
لكن الرصاصة واحدة
والهدف واحد
والألم واحد.
هذا التلاحم…
ليس لحظة،
بل قانون.
وهذا التناحر مع العدو…
ليس خيارًا،
بل قدرٌ ممتدّ
ما دام الظلم قائمًا.
ولعلّ أكثر ما يُربك الرواية الصهيونية…
ليس فقط ما فعلناه،
بل ما قاله بعض من عرفوها من الداخل.
كما أشار المؤرخ المناهض للصهيونية يعقوب كوهين،
فإن هذا الكيان منذ نشأته 
لم يُقم على فكرة سلام،
بل على مشروع صراع دائم،
يرى في القوة ضمانه الوحيد،
وفي التوسع شرط بقائه.
وهذا ما أثبته التاريخ…
لا نحن فقط.
فكيف يُطلب منا
أن نُؤمن بسلامٍ
لا يؤمن به صاحبه؟
إن الكرامة…
لم تكن معركة عسكرية فحسب،
بل كانت إعلانًا فكريًا:
أن عقيدتنا ليست إدارة الهزيمة،
بل صناعة النصر.
أن جيشنا… ليس لحراسة حدود القلق
بل لحماية معنى الوطن.
وأن مقاومتنا…
ليست ردّ فعل،
بل فعل وجود.
في ذكرى هذا اليوم…
نضحك - بمرارة - من كلّ تلك الدعوات
التي أرادت أن تجعل من النسيان فضيلة
ومن التنازل حكمة
ومن التطبيع شجاعة.
نضحك…
لأننا رأينا الحقيقة بأعيننا:
نهرًا يرفض أن يكون حدًّا
فيصير جسرًا من دمٍ إلى كرامة.
ورجالًا
لم يسألوا: هل ننتصر؟
بل قالوا:
نقاتل… لأننا أحياء.
وهنا…
يُطرح السؤال الأبدي:
هل يمكن أن تُهزم الكرامة؟
ويأتي الجواب…
من الكرامة نفسها:
قد تُؤجَّل
قد تُجرح
لكنها…
لا تُهزم.
وفي النهاية…
سيكتب المؤرخ - إن بقي في العالم مؤرخون لا يخافون - :
"في يومٍ من آذار 1968
غسلت الكرامةُ وجه الأمة من غبار الهزائم
وأثبتت أن السلام الذي لا يقوم على العدالة…
وهم
وأن الأمة التي تعرف طريق التحرير…
لا تُطبِّع مع جلّادها.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions