د. وليد العريض يكتب: إيران ما بعد خامنئي… قراءة في زمن لا يشبه نفسه

د. وليد العريض يكتب:  إيران ما بعد خامنئي… قراءة في زمن لا يشبه نفسه
نبأ الأردن -
الرجل الذي يتحوّل إلى نظام 
       ... 
ليست التحوّلات الكبرى في تاريخ الدول مجرّد تبدّل في الوجوه أو انتقالٍ للسلطة من اسمٍ إلى آخر، بل هي لحظات يُعاد فيها تعريف المعنى نفسه: معنى الدولة ومعنى القرار ومعنى التوازن الذي كانت تقوم عليه البنية السياسية لعقود. ففي مثل هذه اللحظات لا يكون السؤال الحقيقي: من سيأتي؟ بل: ماذا سيتغيّر؟

في الحالة الإيراني لا يمكن النظر إلى مرحلة ما بعد خامنئي بوصفها انتقالًا تقليديًا للسلطة لأن الرجل لم يكن مجرّد رأسٍ للنظام، بل كان بمثابة نقطة ارتكاز دقيقة تُمسك بخيوط التوازن بين مؤسسات متداخلة: بين الديني والعسكري، بين العقائدي والبراغماتي، بين الداخل الذي يحتاج إلى ضبط والخارج الذي يفرض إيقاعه الخاص.

لقد تحوّل مع الزمن إلى ما يشبه الوظيفة أكثر من كونه شخصًا؛ وظيفةٌ تقوم على إدارة التناقضات لا إلغائها وعلى ضبط الإيقاع لا تسريعه وعلى إبقاء النظام في حالة حركةٍ مستمرة دون أن ينفلت من تماسكه الداخلي. ولهذا فإن غيابه - حين يحدث - لا يخلق فراغًا في الموقع بقدر ما يكشف عن فراغٍ محتمل في هذه الوظيفة المركّبة.
فالمواقع تُملأ أما الوظائف التاريخية فلا تُستنسخ بسهولة.

ومن هنا يبدأ التحوّل الحقيقي: إذ لا يعود الأمر متعلقًا بمن سيخلف الرجل، بل بكيفية إعادة توزيع السلطة داخل بنيةٍ كانت تعتمد - ولو جزئيًا - على وجوده كضامنٍ غير معلن لتوازناتها. وهذا ما يفتح الباب أمام تحوّلات أعمق من مجرد خلافة سياسية، ليصبح السؤال: هل نحن أمام استمرار لنموذج التوازن، أم أمام انزياح نحو نموذج أكثر صلابة وأقل تعددية؟

في مثل هذه اللحظات تميل الدول - خصوصًا تلك التي تعيش تحت ضغط داخلي وخارجي متزامن - إلى تقليص مساحات التعدد لصالح مركزية القرار، لا بدافع الاختيار الحر، بل بوصفه استجابة لغريزة البقاء. وهنا تتقدّم بعض المؤسسات على حساب غيرها، ليس لأنها أقوى بالضرورة، بل لأنها أكثر قدرة على التعامل مع لحظةٍ يغلب عليها الطابع الأمني.
غير أن هذا التحول لا يحدث في فراغٍ داخليٍّ خالص، بل يتقاطع مع بيئة إقليمية ودولية متوترة، حيث لا تمنح التحولات البطيئة وقتها الطبيعي. فالضغوط الخارجية لا تنتظر اكتمال إعادة التشكّل الداخلي، بل تتداخل معه وتدفعه  أحيانًا  نحو خيارات أكثر حدّة وأقل قابلية للتراجع.

وهنا يتجلى التحدي الأكبر: كيف يمكن لنظامٍ أن يعيد بناء توازناته الداخلية، في الوقت الذي يُطالَب فيه بالحفاظ على موقعه داخل شبكة صراعات مفتوحة، لا تعترف بالتردد، ولا تمنح فرصة لترف التجريب؟
بهذا المعنى لا تمثّل مرحلة ما بعد خامنئي مجرد فصلٍ جديد في تاريخ إيران، بل اختبارًا لطبيعة الدولة نفسها: هل هي دولة قادرة على تحويل الشخصيات المحورية إلى مؤسسات مستدامة؟ أم أنها ستظلّ في لحظات التحوّل بحاجة إلى رجلٍ يعيد اختزالها في شخصه؟

إن الفرق بين الحالتين ليس تفصيلًا نظريًا، بل مسألة تتعلّق بالقدرة على البقاء في عالمٍ يتغيّر بسرعة ويُعيد تعريف قواعد القوة والاستقرار بشكلٍ لا يسمح بالاعتماد الطويل على الأفراد مهما بلغت كاريزميتهم أو نفوذهم.
وفي العمق لا يخصّ هذا السؤال إيران وحدها، بل يعكس نمطًا يتكرّر في أكثر من تجربة: حيث تتحوّل الدول تحت ضغط الصراع من كياناتٍ تبحث عن الاستقرار إلى كياناتٍ تعيش داخل الصراع وتعيد إنتاج نفسها من خلاله. وعندها لا يصبح غياب الرجل نهاية مرحلة، بل بداية اختبارٍ جديد لمعنى الدولة في زمنٍ لم يعد يشبه نفسه.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions