م.صلاح طه عبيدات يكتب: بين العزلة والانفجار… الشرق الأوسط على حافة إعادة التشكّل
نبأ الأردن -
لم يعد ما يجري في الإقليم شأناً داخلياً لدولة بعينها، بل أصبح لحظة كاشفة لمصير المنطقة العربية برمتها، وعلاقتها المعقدة مع إيران، وانعكاسات ذلك على توازنات القوة مع إسرائيل. فحين يختفي صوتٌ كان يُجيد إدارة التناقضات، لا ينهار ميزان داخلي فقط، بل تتداعى معه شبكة علاقاتٍ إقليمية كانت تقوم على حافة التوتر دون أن تسقط في الهاوية.
إن المنطقة العربية تجد نفسها اليوم أمام ثلاث نهايات محتملة، تتقاطع جميعها مع إيران، لكنها تختلف في آثارها العميقة على إسرائيل وعلى شكل الصراع القادم.
في المسار الأول، حيث تنكفئ إيران إلى داخلها وتختار العزلة، ستواجه الدول العربية حالة من الغموض الاستراتيجي. فغياب الحوار لا يعني غياب التهديد، بل تحوّله إلى تهديدٍ صامتٍ غير قابل للتوقع. هنا، ستجد بعض الدول العربية نفسها تميل أكثر نحو التحالفات الأمنية التقليدية، بينما تسعى أخرى إلى بناء توازنات إقليمية جديدة تحميها من ارتدادات الانغلاق الإيراني. أما إسرائيل، ففي هذا السيناريو ستكسب هدوءًا نسبيًا على المدى القصير، لكنها ستعيش قلقًا دائمًا من "الضربة المجهولة” القادمة من دولةٍ مغلقة لا تُقرأ نواياها. إنّه سلام هش، يقوم على الصمت لا على الثقة.
أما المسار الثاني، وهو الأخطر، حيث تنفجر المنطقة في مواجهة شاملة، فإن الدول العربية ستكون أول من يدفع الثمن، جغرافياً واقتصادياً وأمنياً. ستتحول بعض أراضيها إلى ساحات اشتباك، وستُختبر أنظمتها السياسية تحت ضغط غير مسبوق. في هذا المشهد، لن تكون الحرب بين طرفين، بل شبكة من المواجهات المتداخلة، تتقاطع فيها الجبهات من البحر إلى الصحراء.
أما إسرائيل، فستدخل أخطر اختبار في تاريخها الحديث؛ إذ لم تعد المواجهة مقتصرة على جبهة واحدة، بل متعددة الاتجاهات، تُستهدف فيها البنية التحتية ومصادر الطاقة ومراكز القرار. ومع ذلك، فإن تفوقها العسكري قد يمنحها قدرة على الصمود، لكنه لن يمنحها الحسم السريع، مما يجعلها جزءًا من حرب استنزاف طويلة تُعيد تعريف مفهوم الأمن لديها.
ويبقى المسار الثالث، حيث تتفكك إيران من الداخل، وهو السيناريو الأكثر إرباكًا للمنطقة العربية. فضعف المركز الإيراني لن يعني بالضرورة استقرار الجوار، بل قد يفتح الباب أمام فوضى ممتدة، تتسلل عبر الحدود وتعيد تشكيل الخريطة الأمنية للمنطقة. هنا، ستواجه الدول العربية تحدياً مزدوجاً: كيف تمنع انتقال الفوضى إليها، وكيف تتعامل مع فراغٍ إقليمي قد تسعى قوى أخرى لملئه.
أما إسرائيل، فقد ترى في هذا السيناريو فرصة لتراجع خصمها الإقليمي الأكبر، لكنها في الوقت ذاته ستواجه واقعًا أكثر تعقيدًا: بيئة غير مستقرة، فاعلون جدد غير تقليديين، وحدود لم تعد مضبوطة كما كانت.
ما يجمع هذه المسارات جميعًا هو حقيقة واحدة: أن المنطقة العربية لم تعد قادرة على البقاء في موقع المتفرج. فكل خيار إيراني سينعكس مباشرة على أمنها، واقتصادها، واستقرارها الداخلي. كما أن العلاقة مع إيران لن تعود كما كانت؛ إما أن تتحول إلى صراعٍ مفتوح، أو إلى توازنٍ حذر، أو إلى تعاملٍ مع واقعٍ متفكك لا يمكن التنبؤ به.
في المقابل، فإن إسرائيل تقف أمام مفارقة تاريخية؛ فهي قد تستفيد من بعض هذه التحولات مرحليًا، لكنها على المدى البعيد ستجد نفسها في بيئة أكثر اضطرابًا، حيث لم يعد الخصم دولةً يمكن ردعها فقط، بل منظومة أزمات مفتوحة لا يمكن احتواؤها بسهولة.
إن ما يتشكل اليوم ليس مجرد أزمة سياسية، بل إعادة كتابة لقواعد اللعبة في الشرق الأوسط. فإما أن تنجح المنطقة، عربًا وإيرانيين، في إعادة إنتاج عقلٍ استراتيجي يجنّبها الانهيار، أو أن تنزلق إلى مرحلةٍ تصبح فيها الخرائط مؤقتة، والتحالفات عابرة، والحروب هي اللغة الوحيدة المفهومة.
وفي كل الأحوال، فإن الشرق الأوسط الذي نعرفه يقف الآن على عتبة تحوّلٍ عميق؛ تحوّلٍ لن يترك دولةً عربيةً خارج معادلته، ولن يسمح لإسرائيل بأن تبقى كما كانت، بل سيجبر الجميع على إعادة تعريف أنفسهم في عالمٍ لم يعد يعترف إلا بمن يملك القدرة على البقاء وسط الفوضى.
























