د. وليد العريض يكتب : على حافة الضوء يولد العالم لوحة الفنان محمد الدغليس

د. وليد العريض يكتب : على حافة الضوء يولد العالم لوحة الفنان محمد الدغليس
نبأ الأردن -
هناك حيث يلتقي الماء بالسماء ويذوب اللون في اللون ويقف الضوء كأنه يفكر هل يشرق أم ينتظر قليلًا، اصطف الأطفال على حافة الأرض كأنهم وعد مؤجل أو صلاة لم تُكتب كلماتها بعد، وكانوا ينظرون فقط، ينظرون بعينين واسعتين إلى هذا الأفق الذي يبدو كأنه يحترق ليولد من جديد.

لم يسأل أحد منهم من نحن ولا من أي أرض جئنا ولا لماذا امتلأ العالم بكل هذا التعب، لأنهم لم يتعلموا بعد لغة الأسئلة الثقيلة التي يورثها الكبار لأطفالهم، بل كانوا فقط يرون العالم كما يجب أن يكون، بسيطًا واسعًا، مليئًا بالضوء لا بالخوف ولا بالحدود.

كانت أقدامهم صغيرة، ثابتة على التراب، لكن أرواحهم كانت أبعد من كل خرائط العالم وأبعد من كل الأسلاك التي رسمها البشر ليقسموا السماء بينهم وكأن السماء تُقسم وكانوا في وقفتهم تلك أكبر من الحروب وأصدق من كل الشعارات، لأنهم لم يعرفوا بعد كيف يمكن للكلمات أن تخفي القسوة.

وفي تلك اللحظة لم يكن هناك لاجئ ينتظر وطنًا ولا طفل يبحث عن لعبة بين الركام ولا أم تُحصي أسماء من غابوا عنها ولم يعد هناك بيت مهدّم ولا خيمة ترفع رأسها في وجه الريح، بل كان هناك فقط أطفال يقفون أمام بحر من الضوء وكأنهم يقولون دون صوت، هذا هو العالم الذي نريده، وهذا هو العالم الذي يستحق أن يكون.

كانت ضحكة واحدة منهم كافية لأن تُعيد ترتيب المعنى في هذا الكون وكانت نظرة واحدة كفيلة بأن تكشف كم أخطأ الكبار حين ظنوا أن القوة في السلاح لا في القلب وأن البقاء يكون بالغلبة لا بالمحبة.

وفي صمتهم الممتد مثل هذا الأفق، كان السؤال يعلو دون أن يُقال، لماذا لا يكون العالم بسيطًا مثلنا؟ ولماذا لا يتعلم الكبار أن يكبروا بطريقة مختلفة؟ أن يكبروا نحو الرحمة لا نحو القسوة وأن يعودوا مرة واحدة على الأقل أطفالًا بلا خوف وبلا ذاكرة مثقلة بالحقد.

يا رب اجعل هذا المشهد حقيقة لا لوحة، اجعل الأطفال يقفون على أرضهم لا على حافة الانتظار، اجعل البيوت تولد من جديد دون أن تُهدم أولًا واجعل الأمهات يعددن ضحكات أبنائهن لا أسماء الغائبين، واجعل هذا المطر حين ينزل ينزل على عالم يستحق الحياة، لا على جراح مفتوحة منذ زمن طويل.

رحم الله من مضوا فقد حملوا وجع العالم أكثر مما ينبغي وتركوا لنا هذا السؤال الكبير، هل نستطيع أن نكون أرحم، أم سنعيد الحكاية ذاتها بوجوه مختلفة؟.
والمحبة لمن بقي، لمن ما زال يؤمن أن الربيع لا يخون، وأن الأرض مهما تعبت قادرة أن تُزهر وأن الإنسان مهما قسا يستطيع أن يعود يومًا إلى قلبه الأول.

ومع هذا المطر ومع هذا الضوء ومع هذه الطفولة التي تقف على حافة العالم، نبدأ من جديد، نبدأ بحلم بسيط، لكنه الأصدق، أن يكون العالم طفلًا وأن نتعلم أخيرًا كيف نحافظ على براءته.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions